لماذا لا يكون تسليم السلاح إجماعاً وطنياً؟

3

 

المأساة العراقية الكبرى لم تكن يوماً في تعدد الآراء، بل في تعدد مراكز القوة. فالدول يمكن أن تختلف سياسياً وتتنازع انتخابياً وتتصارع أيديولوجياً، لكنها تبقى مستقرة ما دام الجميع يحتكم إلى قاعدة واحدة: لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار أعلى من القانون.

ومن هنا، فإن الحديث عن تسليم سلاح الفصائل لا ينبغي أن يُختزل باعتباره انتصاراً لطرف على آخر، أو هزيمة لمكون لصالح مكون، بل يجب أن يتحول إلى لحظة تأسيس وطنية جديدة، تعيد تعريف معنى الدولة العراقية بعد سنوات طويلة من التشظي والانقسام والولاءات العابرة للحدود.

السؤال الأهم اليوم: لماذا لا يتحول هذا الملف إلى إجماع وطني شامل، بدلاً من بقائه ساحة للشكوك والتخوين والتجاذبات الإقليمية؟

العراق لا يحتاج إلى استسلام طرف، بل إلى استدارة تاريخية شجاعة. استدارة تعترف بأن مرحلة “الدولة الضعيفة” استنزفت الجميع، وأن السلاح المنفلت لم يعد يحمي أحداً، بل أصبح عبئاً على الشيعة قبل السنة، وعلى الكرد قبل العرب، وعلى الدولة قبل المجتمع.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن فائض القوة خارج المؤسسات لا ينتج سيادة، بل ينتج خوفاً دائماً، واقتصاداً مرتبكاً، وعلاقات خارجية هشة، وبلداً يعيش على حافة الانفجار في كل لحظة. ولهذا فإن أي مشروع وطني حقيقي يجب أن يبدأ من نقطة واضحة وصريحة: العراق لا يمكن أن يُدار بعقليتين؛ عقل الدولة وعقل الميليشيا.

لكن الوصول إلى هذا الإجماع يتطلب شجاعة من الجميع، لا من الفصائل وحدها.

يتطلب من القوى السياسية أن تتخلى عن الاستثمار في الانقسام. ويتطلب من الدولة أن تكون عادلة وقادرة وغير انتقائية. ويتطلب من المجتمع أن يقتنع بأن هيبة الدولة ليست عداءً لأي مكون، بل حماية للجميع. كما يتطلب من القوى المسلحة نفسها أن تدرك أن التحول إلى قوة سياسية مدنية محترمة داخل الدولة أكثر بقاءً وتأثيراً من البقاء في منطقة السلاح والقلق الدائم.

العالم لن يحترم العراق لأنه يمتلك فائضاً من البنادق، بل لأنه يمتلك قراراً وطنياً مستقلاً. ولن يقتنع بأن العراقيين اختاروا طريقهم الجديد إلا عندما يرى أن هذا التحول جاء بإرادة داخلية، لا نتيجة ضربة خارجية أو تسوية مفروضة.

وهنا تحديداً تكمن قيمة اللحظة الحالية.

فإذا استطاع العراقيون أن يحولوا ملف السلاح إلى مشروع تسوية وطنية شاملة، فإنهم لن يطفئوا أزمة أمنية فقط، بل سيعلنون ولادة عراق مختلف؛ عراق يقرر مصيره بنفسه لأول مرة منذ عقود طويلة من الحروب والانقلابات والاحتلالات والصراعات الإقليمية.

عندها فقط، سيشهد العالم أن العراقيين لم يعودوا ساحة لتصفية الحسابات، بل أصبحوا دولة تعرف ماذا تريد، وإلى أين تتجه.

والحقيقة أن العراق لا ينقصه المال ولا الموقع ولا التاريخ ولا الموارد، بل ينقصه فقط اتفاق العراقيين على فكرة واحدة: أن الوطن أكبر من السلاح، وأبقى من المحاور، وأقدس من كل الولاءات المؤقتة.

التعليقات معطلة.