لماذا مُنحت إيران الفرص المتكررة… ولم يُمنح العراق فرصة واحدة؟

3

 

 

هذا ليس سؤالًا انفعاليا، ولا محاولةً لاستحضار الماضي، بل سؤالٌ سياسيٌ مشروع يفرضه اختلاف طريقة تعامل المجتمع الدولي مع أزمتين تركتا أثرا عميقا في تاريخ المنطقة وفي نفوس العراقيين . فكيف أصبحت الوساطات والحوار وتجنب الحروب هي الخيار عندما يتعلق الأمر بإيران، بينما لم يُمنح العراق فرصة مماثلة للخروج من أزمته داخل الإطار العربي؟

إذا كانت المبادئ ثابتة، فلماذا تغيّرت المعايير؟ وإذا كانت سيادة الدول خطًا أحمر، فلماذا اختلفت طريقة التعامل مع الأزمات ؟ ولماذا أصبح الحفاظ على النظام وتجنب انهياره هدفا عندما يتعلق الأمر بإيران، بينما انتهت أزمة العراق إلى حرب مدمرة، ثم حصار طويل، ثم إسقاط الدولة بكل ما ترتب على ذلك من نتائج ما زالت المنطقة تعيش آثارها حتى اليوم؟

لقد خاض العراق حربا طويلة مع إيران، ودفع خلالها مئات الآلاف من أبنائه، وكان الخطاب العربي الرسمي آنذاك يصفه بأنه المدافع عن “البوابة الشرقية” للأمة العربية. ثم جاءت أزمة الكويت، وكان من حق العرب أن يرفضوا الغزو وأن يطالبوا بانسحاب العراق، فغزو دولة عربية كان خطأً كبيرا لا يمكن تبريره.

لكن السؤال الذي بقي بلا جواب هو: لماذا لم تُستنفد كل فرص الحل العربي قبل أن تتحول الأزمة إلى حرب دولية مدمرة انتهت بإضعاف العراق، ثم إسقاط دولته، وفتح الباب أمام فراغ استراتيجي ما زالت المنطقة كلها تدفع ثمنه حتى اليوم ؟

واليوم يبدو المشهد مختلفا تماما. فعندما تتصاعد الأزمة مع إيران، تتحرك الوساطات، وتُفتح قنوات التفاوض، وتُبذل الجهود لمنع التصعيد، وتتعالى الأصوات المطالبة بالحفاظ على الاستقرار وتجنب انهيار النظام، وكأن أمن المنطقة أصبح مرتبطًا ببقائه.

وهنا يتوقف العراقي حائرا…. ليس لأنه يعترض على السلام، بل لأنه يسأل: أين كان هذا الحرص عندما كان العراق يحترق ؟ وأين كانت كل هذه المبادرات عندما كانت بغداد تُدمر، والدولة العراقية تتهاوى، والشعب العراقي يدفع وحده الثمن ؟

إن الاعتراض ليس على منح إيران فرصة، فالسلام يبقى أفضل من الحرب ، والحوار يبقى أفضل من الدماء. وإنما الاعتراض على أن العراق لم يُمنح الفرصة نفسها.

وهنا يشعر العراقي بأن العدالة لم تُطبق بالمعيار نفسه، وأن المبادئ التي قيل إنها تحكم النظام الدولي كثيرا ما خضعت لحسابات السياسة أكثر مما خضعت لمبادئ القانون.

إن الشعوب قد تتحمل قسوة الحق، لكنها لا تتسامح مع ازدواجية المعايير؛ لأنها تدرك أن العدالة التي تُطبق على طرف وتُستثنى منها أطراف أخرى ليست عدالة، بل سياسة.

لقد آن الأوان للاعتراف بأن العراقيين لا يطرحون هذا السؤال بدافع الحنين إلى الماضي، ولا رغبة في تبرئة أحد، وإنما لأنهم يريدون فهم حقيقة ما جرى، وحقيقة ما يجري اليوم.

إن العراقيين لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بمبدأ واحد يُطبق على الجميع، وعدالة لا تتغير بتغير المصالح.

ولا تجعلوا العراقيين يبحثون أكثر عن أسباب هذا التفاوت في المواقف، فهم شعب يمتلك ذاكرةً حية، ويقرأ ما بين السطور، ويدرك جيدا كيف تتغير السياسات عندما تتغير المصالح.

ولذلك سيبقى هذا السؤال حاضرا في ضمير كل عراقي، وكل عربي يؤمن بعدالة القضايا:

لماذا مُنحت إيران الفرص المتكررة… ولم يُمنح العراق فرصة واحدة ؟

ذلك ليس سؤالًا عن الماضي، بل سؤالٌ عن مستقبل المنطقة، وعن صدقية المبادئ التي يرفعها المجتمع الدولي، وعن الثقة التي فقدتها الشعوب عندما رأت أن المعايير ليست واحدة، وأن العدالة كثيرا ما تُقاس بميزان المصالح لا بميزان المبادئ.

وهكذا أصبح العراق، ولا يزال، المثالَ الأبرزَ لدولةٍ دفعت مرارا ثمنَ مصالح الآخرين، بينما ظل شعبها ينتظر فرصته الأولى .

التعليقات معطلة.