“لوك” مدني جديد للفصائل.. و”تسوية حزيران” تفكك السلاح بالاستثمار

1


إشاعات الاحتجاز في السفارة والـ140 مليار التائهة!

بغداد / تميم الحسن

تستعد قوى سياسية تملك أجنحة مسلحة للإعلان رسمياً، في تموز المقبل وأمام الكاميرات، عن خلع البدلات العسكرية للمرة الأولى منذ 10 سنوات.
الخطوة لا تبدو مجرد تبديل في الـ”لوك” السياسي، بقدر ما هي، وفقاً للمصادر، إيذان بخطة لـ”الاستيلاء المبطّن” على مفاصل الدولة.
وتأتي هذه الصورة المفترضة للمشهد السياسي المقبل في أعقاب الزيارة المرتقبة لرئيس الحكومة علي الزيدي إلى واشنطن منتصف الشهر القادم، والتي يعتقد أنها ستؤسس لمرحلة جديدة تختلف تماماً عن الـ29 سنة الماضية.
ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن هذه الصفحة الجديدة ستكون خالية تماماً من الوجود العلني للفصائل المسلحة، الممثلة بنسبة كبيرة داخل الإطار التنسيقي الذي يهيمن حالياً على المناصب المهمة، وفي مقدمتها رئاسة الوزراء، وهو ما يطرح تساؤلاً: كيف سيتم تعويض هذا الغياب؟
تشير المعلومات إلى أن هذه الخطة لن تمر دون خسائر، إذ ستشهد التضحية ببعض الشخصيات السياسية، وهو ما بدأ يتحقق بالفعل، وسط توقعات بتصاعد متسارع لوتيرة الأحداث، في وقت يبقي فيه المحور الإيراني “يده على الزناد”، وفقاً لتعبيرات الفريق المؤيد له.
اعتقال الجميلي.. الشرارة الأولى
تقول مصادر شيعية إن ملامح التحول الكبير بدأت تتشكل في أواخر أيار الماضي، وإن ما جرى لم يكن حدثاً منفصلاً، بل نتيجة مسار بدأ منذ نهاية عام 2024، حين أطلقت زعامات شيعية تحذيرات مبكرة اعتبرت أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تمثل “ناقوس خطر”.
وجاء اعتقال عدنان الجميلي، المسؤول في وزارة النفط، ليشكل أول اختبار عملي لذلك المسار. فالرجل، الذي ارتبط اسمه بملفات فساد، أبرزها قضية تفكيك مصفى بيجي، تحول سريعاً إلى عنوان لحملة سياسية وإعلامية واسعة، رافقتها موجة متضاربة من التصريحات والتفسيرات.
ويقول مصدران شيعيان إن الفترة الممتدة من تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة وحتى الأسبوعين الأولين من تسلمه السلطة كانت هادئة نسبياً، قبل أن يقلب ملف الجميلي المشهد السياسي رأساً على عقب.
وبحسب البيانات الرسمية، عثر بحوزة الجميلي على أكثر من 100 مليار، إضافة إلى عقارات وسيارات، بينما تذهب تقديرات إلى أن حجم الأموال المرتبطة بالقضية قد يصل إلى نحو نصف تريليون دينار.
ويؤكد أحد المصدرين لـ«المدى» أن الاعتقال لم يكن صدفة، قائلاً: “كانت هناك أسماء موضوعة بالفعل ضمن حملة تستهدف ما يعرف بحيتان الفساد، لكن ما إذا كانت الحملة شاملة أم أنها تقتصر على تقديم أكباش فداء، فلا أستطيع الجزم.”
وفي 11 حزيران الماضي، كشفت «المدى» عن وجود ما لا يقل عن 50 شخصية، توصف بـ”حيتان الفساد”، قد تكون على قوائم الاعتقال واسترداد الأموال خلال المرحلة المقبلة.
ويربط مصدر يعمل مع أحد الأحزاب النافذة في “الإطار التنسيقي” بين حملة الاعتقالات والملف الأمني، قائلاً إن “الحديث عن الفساد لا يمكن فصله عن ملف السلاح، فكلاهما جزء من الشروط الأميركية الجديدة.”
اتفاق حزيران.. الاستثمار مقابل السلاح
منتصف حزيران، عقد رئيس الوزراء علي الزيدي اجتماعاً مغلقاً استمر أربع ساعات مع المبعوث الأميركي توماس باراك. ووفق مصادر سياسية، شهد اللقاء التوصل إلى تفاهم غير معلن بات يوصف داخل الأوساط السياسية بـ”اتفاق حزيران”.
ويلخص مصدر شيعي قريب من “الإطار التنسيقي” مضمون الاتفاق بعبارة واحدة: “الاستثمار مقابل السلاح.”
ويستند هذا التوصيف إلى ما أعلنه الزيدي في أول مقابلة صحفية له منذ توليه رئاسة الحكومة منتصف أيار، عندما أكد أن العلاقة بين بغداد وواشنطن ستدخل مرحلة جديدة بعد انسحاب آخر القوات الأميركية في 30 أيلول المقبل، بحيث تتحول من شراكة عسكرية إلى شراكة اقتصادية، واصفاً الولايات المتحدة بأنها “الشريك المفضل” للعراق.
وكشف رئيس الوزراء أيضاً أن الشركات الأميركية ستحظى بالأولوية إذا رغبت في الاستثمار داخل العراق، موضحاً أنه وجه وزارات النفط والكهرباء والاتصالات إلى إعطاء الأفضلية للشركات الأميركية الرصينة، ولا سيما في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والاتصالات والتنمية.
لكن، في المقابل، تقول المصادر إن واشنطن تنتظر ثمناً سياسياً وأمنياً يتمثل في إنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة. وترى هذه المصادر أن المقصود لا يقتصر على جمع السلاح، بل يمتد إلى تقليص النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة.
ويقول المصدر الشيعي إن القوى السياسية الكبرى تستعد لإعادة إنتاج نفوذها، ولكن عبر مؤسسات الدولة هذه المرة، من خلال التوسع في السيطرة على الوزارات والمناصب العليا، حتى وإن واجه هذا المسار تعثراً في بعض الملفات.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف وظيفة ضمن ما يعرف بـ”الدرجات الخاصة” ستكون محور عملية إعادة توزيع النفوذ. وهذه المناصب، التي كانت خلال السنوات الماضية خاضعة بدرجات متفاوتة لأحزاب تمتلك أجنحة مسلحة، قد يعاد توزيعها وفق معايير مختلفة إذا نجحت خطة التحول.
ويعتقد المصدر أن الإعلان، ولو بصورة رمزية أمام عدسات الكاميرات، عن التخلي عن الفصائل المسلحة التي لعبت دوراً رئيسياً في مرحلة ما بعد 2017، قد يشكل مدخلاً لإقناع واشنطن بالمضي في إعادة هيكلة الدولة ومنح الضوء الأخضر لإعادة توزيع تلك المناصب.
غير أن نجاح هذا السيناريو، بحسب المصادر، لا يزال موضع شك، إذ تتحدث معلومات عن أن الإدارة الأميركية لا ترغب في وصول شخصيات مرتبطة بالفصائل إلى مواقع الإدارة العليا، حتى على مستوى المديرين العامين، إلا إذا جرى فك الارتباط بصورة واضحة بين القوى السياسية والأجنحة المسلحة.
سلاح بلا مبرر.. أم نفوذ يصعب تفكيكه؟
حتى الآن، لم يطرح رئيس الوزراء علي الزيدي تصوراً مختلفاً جذرياً بشأن ملف السلاح خارج الدولة، واكتفى، وفق تصريحاته، بتكرار المقاربة التي تبنتها الحكومة السابقة، والقائمة على أن مبررات وجود الفصائل المسلحة ستتلاشى مع انتهاء مهمة التحالف الدولي وانسحاب آخر القوات الأميركية من العراق في 30 أيلول المقبل.
وفي مقابلته الأخيرة، قال الزيدي إن “بعد انسحاب جميع القوات الأميركية، لن يكون هناك أي مبرر أو حاجة لأي مقاومة في العراق”، مؤكداً أن “معظم الفصائل بدأت بالفعل بتسليم سلاحها إلى الدولة”.
وكان الطرح ذاته قد تبناه في وقت سابق خالد اليعقوبي، المستشار الأمني الذي عمل مع الحكومتين، إلا أن هذا الخطاب لا ينسجم بالكامل مع الوقائع الميدانية، في ظل استمرار فصائل رئيسية، مثل “كتائب حزب الله” و”النجباء”، في رفض الحديث عن تسليم السلاح أو إنهاء تشكيلاتها المسلحة.
وتعتقد أوساط سياسية أن هذه الجماعات ما تزال تمثل إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية داخل العراق، ولا سيما في ظل التفاهمات المتذبذبة بين طهران وواشنطن، التي تتراوح بين الانفراج والتوتر، رغم وجود تفاهمات سياسية وأمنية جرى التوصل إليها خلال الأيام الأخيرة.
وحتى الآن، لم تعلن أي من الفصائل الرئيسية، التي يقدر عددها بنحو 10 مجموعات تدين بالولاء لطهران بدرجات متفاوتة، تسليم سلاحها بصورة رسمية، باستثناء “سرايا السلام” التابعة للتيار الصدري، التي سبق أن أعلنت خطوات تتعلق بتنظيم وضعها الأمني.
وتشير هذه التطورات، بحسب مراقبين، إلى تراجع واضح في مستوى النفوذ الإيراني داخل العراق، مقابل صعود متزايد للحضور الأميركي.
غير أن هذا التقدير لا يحظى بإجماع كامل، إذ ترى أطراف أخرى أن ما يجري لا يعدو كونه تهدئة مؤقتة وافقت عليها طهران، بانتظار انتهاء ولاية ترامب.
الفساد.. ساحة الصراع الجديدة
وعلى جانب آخر من خطة “الاستيلاء”، يبدو المشهد مشتبكاً ومعقداً خلف الكواليس، حيث تدور حرب حول “هوية الفاسدين” والصراع على تقاسم الحصص والوزارات.
هذا المناخ المحموم دفع بملفات الفساد إلى الواجهة مجدداً، لتوجَّه اتهامات مباشرة وصادمة طالت قطبين بارزين في المعادلة السياسية: رئيس الحكومة السابق محمد السوداني، ورئيس البرلمان الأسبق محمد الحلبوسي. والمفارقة هنا أن الرجلين اللذين تجمعهما خيوط تحالف، أو تقارب في مواقف معينة ترتبط باستكمال الكابينة الوزارية وتوازناتها، يجدان نفسيهما اليوم في عين العاصفة.
وقد اتخذ الصراع منحى تصاعدياً مع توجيه اتهامات لوزارة المالية في عهد السوداني بفقدان أثر نحو 140 مليار دينار عراقي، بحسب وكيل وزارة المالية السابق مسعود حيدر.
وتقول مصادر سياسية إن فريق السوداني يتعرض في الآونة الأخيرة لسلسلة من الاتهامات المتعلقة بالفساد، فيما يرى مقربون منه أن رئيس الوزراء السابق تحول إلى “كبش فداء” في مرحلة إعادة رسم المشهد السياسي.
واعتبر خالد وليد، عضو ائتلاف السوداني “الإعمار والتنمية”، أن بعض الاتهامات الموجهة إلى رئيس الحكومة السابق في قضايا الفساد “سريالية”.
ويشير وليد إلى أن “هناك من يتهم السوداني بتبديد ميزانية ثلاث سنوات لدعم حصول دونالد ترامب على جائزة نوبل”.
وفي حديثه لـ(المدى)، يعيد وليد تفكيك شبكة النفوذ، مؤكداً أن المسؤول المعتقل في وزارة النفط، عدنان الجميلي، كان قد مر تكليفه بالمنصب على مسؤولين سابقين، في مقدمهم وزير النفط الأسبق، القيادي في ائتلاف “دولة القانون” بزعامة نوري المالكي.
ويدافع وليد عن الأداء التنفيذي للمرحلة السابقة، موضحاً أن السوداني عين وكلاء ومديرين عامين أكفاء، وعمد إلى تقييم آخرين، بل إنه طلب بالفعل تغيير عدد من الوزراء، لكنه آثر التراجع حين وجد أن البدلاء المطروحين من الكتل السياسية قد يكونون أسوأ من الحاليين.
ويختم برؤية واقعية: “حكومة السوداني ليست حكومة ملائكة، لكن إذا كان هناك طرف سياسي يمتلك خصومة معها، فعليه المواجهة بالسياسة لا بفبركة الملفات”.
وتداولت أخبار غير مؤكدة خلال الأيام الماضية، عن صدور مذكرة اعتقال بحق السوداني، فيما ذهبت روايات أخرى إلى حد الادعاء بأنه محتجز داخل السفارة الأميركية في بغداد للتحقيق معه.
وسارع فريق السوداني إلى نفي تلك الروايات في بيان، واصفاً إياها بأنها “معلومات مفبركة”.
وفي موازاة ذلك، أصدر فريق الحلبوسي بياناً منفصلاً، دان فيه ما وصفه بـ”حملات التسقيط السياسي”، وذلك على خلفية اتهامات ربطته بمسؤولين جرى اعتقالهم في قضايا تتعلق بشبهات فساد.

التعليقات معطلة.