بقلم / ميان ارضروملي
ما يجري الآن ليس ارتباكاً أمريكياً كما يتوهم البعض…
بل إعادة ترتيب للمشهد على نارٍ بطيئة، حيث تتحرك واشنطن بخطوات محسوبة، بينما تُدفع المنطقة كلها نحو لحظة إعادة تعريف القوة والنفوذ.
وقلتها سابقاً وأكررها اليوم:
هذا الرجل يعلم أين يضع قدمه.
ودونالد ترامب ليس سياسياً يمكن لإيران أن تخدعه بالمناورات الكلاسيكية أو بإضاعة الوقت عبر الوسطاء والرسائل الرمادية.
هو يعرف جيداً أن طهران بارعة في شراء الوقت، وفي تحويل كل هدنة إلى فرصة لإعادة التموضع، لذلك لا أعتقد أن ما يجري هو تنازل أمريكي بقدر ما هو إدارة دقيقة للتوقيت والضغط وحدود الانفجار.
فواشنطن لا تتحرك بعقلية الغضب، بل بعقلية النتائج.
والفرق بين الدول الكبرى والدول المنفعلة… أن الأولى لا تسأل: “كيف نرد؟”
بل تسأل: “متى نرد؟ وأين؟ وما الثمن الذي سيدفعه الجميع بعد الرد؟”
لهذا يبدو المشهد ضبابياً للبعض…
لأنهم ينظرون إلى التصريحات، بينما القرار الحقيقي يُصنع في مكان آخر:
في خرائط الطاقة،
والممرات البحرية،
وحسابات الأسواق،
وأمن إسرائيل،
ومستقبل الخليج،
وشكل الشرق الأوسط بعد هذه العاصفة.
أما السؤال الأهم:
لماذا تسعى دول الخليج وباكستان إلى التهدئة والمفاوضات؟
فالجواب ليس حباً بإيران…
بل خوفاً من نتائج انهيارها أو انفجار الحرب معها.
دول الخليج تدرك أن أي مواجهة شاملة لن تبقى داخل حدود إيران، بل ستمتد إلى النفط والموانئ والمياه والاقتصاد والأمن الداخلي.
هي تعرف أن الحرب الحديثة لا تحتاج إلى جيوش تعبر الحدود، يكفي أن تهتز الملاحة والطاقة حتى تدخل المنطقة كلها في حالة اختناق اقتصادي وأمني.
أما باكستان، فهي تخشى أكثر من سيناريو:
فهي دولة تملك حدوداً حساسة مع إيران،
وتعيش أصلاً فوق توازنات معقدة داخلياً وإقليمياً،
وأي فوضى كبرى قرب حدودها قد تعني انفجاراً أمنياً ومذهبياً واقتصادياً لا تملك ترف احتماله.
لكن الأخطر من كل ذلك…
أن بعض الدول لا تخشى فقط الحرب،
بل تخشى أيضاً ما بعد المفاوضات.
لأن أي اتفاق لا يقيّد النفوذ الإيراني فعلياً،
قد يعني عملياً تثبيت نفوذ طهران داخل عواصم المنطقة تحت غطاء “التسوية”.
وهنا تكمن عقدة العراق تحديداً.
فالعراق ليس مراقباً للمشهد…
بل أحد أهم ساحاته.
وأي مفاوضات رخوة أو هدنة مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة،
قد تمنح إيران فرصة لإعادة ترميم نفوذها داخل العراق بصورة أعمق وأهدأ وأكثر خطورة من السابق.
ولهذا أرى أن ما يحدث الآن ليس نهاية صراع…
بل صراع على شكل النهاية نفسها.
فإما اتفاق كبير يعيد رسم النفوذ وحدود القوة في المنطقة،
أو مواجهة مؤجلة يجري تأخيرها حتى تكتمل شروطها.
لكن في الحالتين…
لا أرى أن واشنطن تتحرك بعشوائية،
ولا أرى أن ترامب من النوع الذي يسمح لطهران بأن تدير اللعبة وحدها.
المنطقة كلها اليوم تقف فوق حافة لحظة تاريخية…
وما نراه حتى الآن ليس سوى الفصل الذي يسبق القرار الاكبر.

