لم تعد زيارة ترامب إلى تركيا حدثاً بروتوكولياً عابراً، ولا مجرد محطة في جدول تحركات رئيس أميركي؛ بل تبدو أقرب إلى لحظة إعادة تموضع للنظام الإقليمي بأسره. فالسياسة لا تتحرك بالتصريحات وحدها، وإنما بالرسائل التي تختبئ خلفها، وبالخرائط التي تُرسم قبل أن تظهر على الشاشات.
التصريحات الأميركية الأخيرة تجاه إيران، وما رافقها من لهجة أكثر صرامة، بالتوازي مع حديث حلف الناتو عن ضرورة تعزيز الردع والاستقرار وحماية المصالح الاستراتيجية، تشير إلى أن الغرب لم يعد يتعامل مع الأزمة باعتبارها ملفاً نووياً فحسب، بل باعتبارها عقدة أمنية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، ومن البحر الأسود إلى طرق الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، تبدو تركيا لاعباً يصعب تجاوزه. فهي عضو في الناتو، وتملك موقعاً جغرافياً يجعلها نقطة التقاء بين أوروبا والشرق الأوسط والقوقاز، كما أنها تحتفظ بخيوط اتصال مع أطراف متخاصمة في آن واحد. لذلك فإن أي لقاء أميركي–تركي في هذه المرحلة لا يُقرأ بميزان العلاقات الثنائية فقط، وإنما بميزان إعادة توزيع الأدوار في الإقليم.
اللافت أن الخطاب الأميركي لم يعد يركز على تغيير الأنظمة بقدر ما يركز على تغيير السلوك. وهذه نقطة تستحق التأمل؛ إذ يبدو أن واشنطن تسعى إلى فرض معادلة جديدة قوامها: احتواء النفوذ، وتأمين الممرات البحرية، ومنع تشكل موازين قوة تُهدد مصالحها وحلفاءها، مع إبقاء باب التفاوض موارباً، لكن من موقع ضغط لا من موقع مساومة.
أما العراق، فهو يقف في قلب هذه المعادلة لا على هامشها. فكلما اشتدت المنافسة بين القوى الكبرى، ازداد ثقل العراق الجيوسياسي، لأن موقعه لم يعد مجرد حدود بين دول، بل أصبح نقطة تماس بين مشاريع متنافسة. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام بغداد ليس الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، بل بناء قرار وطني مستقل يحول دون أن تتحول الجغرافيا العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن ما يجري اليوم قد لا يكون مقدمة لحرب شاملة، كما أنه ليس عودة إلى ما قبل التصعيد. نحن أمام مرحلة إعادة رسم لقواعد الاشتباك، حيث تُستخدم القوة لإعادة صياغة التوازنات، وتُستخدم الدبلوماسية لترتيب نتائجها. ومن يقرأ الأحداث بعين اللحظة قد يرى ضجيج التصريحات، أما من يقرأها بعين الاستراتيجية فسيرى أن الشرق الأوسط يدخل طوراً جديداً، تُعاد فيه صياغة النفوذ قبل أن تُعاد كتابة الاتفاقات.
وفي السياسة، ليست كل القمم تُقاس بما يُعلن في بياناتها الختامية، بل بما تتركه من تحولات صامتة في موازين القوى. وما نراه اليوم قد يكون بداية تلك التحولات، لا نهايتها.
#ميان

