أعاد إلغاء مشروع تطوير مطار بغداد الدولي البالغة قيمته 764 مليون دولار فتح ملف العقود الاستثمارية الكبرى في العراق، وسط تساؤلات متصاعدة بشأن آليات الإحالة والرقابة وشفافية التعاقدات، وبين الحاجة الملحة لتطوير البنى التحتية وتكرار الحديث عن شبهات الفساد، تتجدد المخاوف من ضياع فرص استثمارية بسبب سوء الإدارة وضعف الرقابة.
خطوة صحيحة
ويقول استشاري الطيران فارس الجواري، في حديث لـ”العالم الجديد” الثلاثاء (16 حزيران يونيو 2026)، إن ”إيقاف مشروع تطوير مطار بغداد الدولي يعد خطوة صحيحة، لا سيما أن العقد كان من المقرر توقيعه بعد ستة أشهر”، مبيناً أنه ”لو كانت هناك إجراءات جادة خلال تلك المدة لكان المطار قد تجاوز جزءاً من مشكلاته الحالية”.
ويضيف، أن “المطار يعمل حالياً بطاقته المتاحة رغم أن صالة رقم (2) ما تزال مغلقة ومتضررة نتيجة الحريق السابق، فيما يجري التشغيل عبر صالة واحدة تكفي في الظروف الاعتيادية”، مستدركاً أن ”دخول موسم الصيف والسياحة يفرض الحاجة إلى توسعة الطاقة الاستيعابية”.
غياب الشفافية
ويلفت الجواري إلى أن ”الاتفاق الذي جرى مع شركة عراقية التي نفذت أيضاً مشروع بوابة العراق استند إلى شراكة مع شركة من أمريكا الجنوبية، كولومبية أو أرجنتينية”، كشيراً إلى أن ”قيمة العقد كانت مرتفعة جداً وتصل إلى نحو 764 مليون دولار، مع منح حق الاستثمار لمدة 25 عاماً، مقابل حصول الشركة على 57 بالمئة من الأرباح، فيما تحصل الحكومة العراقية على 43 بالمئة فقط”.
ويرى، أن ”المشروع لم يكن يقدم نتائج ملموسة أو إيجابية واضحة، خاصة مع غياب الشفافية في طرح تفاصيله للرأي العام، وعدم وضوح المدد الزمنية الحقيقية للتنفيذ، إذ كانت هناك تقديرات تتحدث عن أربع سنوات لإنجاز المرحلة الأولى وربما أكثر”.
الشركات المحلية
ويعتقد استشاري الطيران، أن ”الحل البديل يتمثل في الاعتماد على الشركات العراقية المحلية لإعادة تأهيل مطار بغداد، الذي يضم ثلاث صالات، حيث أن كل صالة تستطيع استقبال نحو مليونين ونصف المليون مسافر سنوياً، أي ما مجموعه 7.5 ملايين مسافر، إضافة إلى صالة كربلاء التي يمكن أن تستوعب نحو مليون مسافر سنوياً، ما يرفع القدرة الإجمالية إلى 8.5 ملايين مسافر”.
ويتابع، أن ”الخطوة الأولى يجب أن تبدأ بإعادة تأهيل الصالة الثانية المغلقة وإعادتها إلى الخدمة، ثم الانتقال تدريجياً إلى الصالة الثالثة”، موضحاً أن ”شركات المقاولات العراقية القادرة على العمل بعيداً عن العمولات والفساد الإداري يمكنها إنجاز هذا الملف خلال سنة ونصف فقط، ومن دون الحاجة إلى شركات أجنبية، وذلك فيما يتعلق بالجانب الأرضي الخاص باستقبال المسافرين وتوديعهم”.
وفي ما يخص الجانب الجوي، يبين الجواري، أن ”ملف المدارج والمعدات الخاصة بالطائرات والجسور الهوائية يمكن أن تتولاه شركات عراقية أو شركات أجنبية متخصصة تعمل بالتعاون مع الكفاءات المحلية، وهناك تجارب عراقية ناجحة في إدارة المطارات، من بينها مطار النجف، ما يؤكد إمكانية تنفيذ المشروع بخبرات وطنية”.
إرادة وإدارة
ويشدد الجواري على ”أهمية اعتماد الشفافية في اختيار الشركات المنفذة”، داعياً إلى ”الاستعانة بمتخصصين في إدارة المطارات لوضع استراتيجية قصيرة وطويلة الأمد لتطوير مطار بغداد، تتضمن إعادة التأهيل خلال السنتين المقبلتين، ثم التوسع لاحقاً عبر إنشاء صالات جديدة وتحديث المعدات والأجهزة بما يرفع القدرة الاستيعابية إلى أكثر من 10 ملايين وربما 15 مليون مسافر سنوياً”.
ويؤكد، أن ”نجاح أي مشروع من هذا النوع يتطلب إرادة حقيقية وإدارة تخصصية ودعماً حكومياً يضمن السير بالاتجاه الصحيح بعيداً عن التدخلات التي تعرقل التنفيذ، وهناك معايير سيادية معمول بها عالمياً تقوم على احتفاظ الحكومات بالنسبة الأكبر من الملكية والقرار”، منتقداً “نماذج تعاقدية سابقة منحت الشركات الأجنبية حصصاً مرتفعة من الإيرادات”.
ويختتم الجواري بالقول، إن “العراق لا يحتاج إلى حلول معقدة في ملف المطارات، بل إلى إرادة وإدارة متخصصة تعمل وفق استراتيجية واضحة وقصيرة وطويلة المدى، بما يضمن إعادة تأهيل مطار بغداد وتطويره بما يتناسب مع احتياجات البلاد المستقبلية”.
شبهات فساد
برز ملف تطوير مطار بغداد الدولي مجدداً إلى واجهة الأحداث بعد إعلان إلغاء المشروع الذي كانت الحكومة السابقة قد صادقت عليه، وسط حديث رسمي عن شبهات فساد ومخاوف تتعلق بإجراءات المناقصة وشروط العقد.
وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء العراقية، أمس الاثنين، فإن رئيس الوزراء علي الزيدي قرر إلغاء مشروع تطوير مطار بغداد الدولي البالغة قيمته 764 مليون دولار، إلى جانب مشروع السكة الحديدية الذي كانت الحكومة السابقة قد صادقت عليه، فيما نقلت الوكالة عن مصدر حكومي أن القرار جاء على خلفية شبهات فساد أثيرت بشأن المشروع خلال الفترة الماضية.
وتعود جذور المشروع إلى تشرين الأول 2025، حين أقرت حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني مشروع تطوير المطار ومنحت عقده إلى ائتلاف يضم شركة أمواج الدولية العراقية وشركة كوربوريشن أمريكا إيربورتس الأرجنتينية، بهدف تطوير وتوسعة المطار الرئيس للعاصمة بغداد.
ووفق ما أعلنته الحكومة آنذاك، فإن العرض المقدم من الائتلاف كان ينص على ألا تتحمل الحكومة العراقية أي كلفة مالية مباشرة طوال مدة عقد الامتياز، مقابل قيام الشركة بإنشاء صالة حديثة للمسافرين بطاقة استيعابية تصل إلى 15 مليون مسافر سنوياً، فضلاً عن تأهيل المدارج وتطوير البنى التحتية للمطار.
ومع انتقال السلطة إلى الحكومة الجديدة، بدأ الملف يخضع لمراجعة أوسع ضمن إجراءات تدقيق شملت عدداً من العقود الكبرى، قبل أن تتصاعد الشكوك بشأن اليات الإحالة وشروط التعاقد.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة رويترز عن مصدرين حكوميين، أن هناك مخاوف لدى المسؤولين من احتمال وجود مخالفات في عملية المناقصة وشروط العقد، وهو ما دفع الحكومة إلى إعادة النظر بالمشروع وصولاً إلى قرار الإلغاء.
وجاءت هذه الخطوة في إطار حملة أوسع لمكافحة الفساد وتشديد الرقابة داخل المؤسسات الحكومية، في وقت لا يزال العراق يواجه تحديات تتعلق بتراجع البنى التحتية وسوء الإدارة رغم موارده النفطية الكبيرة.
وينظر إلى مشروع تطوير مطار بغداد بوصفه أحد أبرز مشاريع البنية التحتية في قطاع الطيران العراقي، إذ كان يستهدف معالجة مشكلات تراكمت لسنوات نتيجة نقص الاستثمارات وتهالك أجزاء من البنية التشغيلية للمطار، فضلاً عن رفع الطاقة الاستيعابية للمسافرين وتحسين الخدمات المقدمة.
كما تزامن الجدل بشأن المشروع مع إعلان البنك الدولي، خلال الأسبوع الماضي، تمويلاً بقيمة 900 مليون دولار لتحسين البنية التحتية للطرقات في العراق وربط العاصمة بغداد بكل من تركيا وسوريا والأردن، ما أعاد تسليط الضوء على ملفات المشاريع الاستراتيجية واليات التعاقد والتنفيذ فيها.
وبين مشروع كان يقدم بوصفه بوابة لتحديث قطاع الطيران العراقي، وقرار إلغائه بسبب شبهات فساد ومخالفات محتملة، عاد ملف مطار بغداد ليطرح مجدداً أسئلة تتعلق بمصير المشاريع الكبرى في العراق، وآليات الرقابة عليها، وقدرة الحكومات المتعاقبة على الموازنة بين الحاجة إلى الاستثمار ومتطلبات الشفافية والمساءلة.

