من يقف وراء محاولات تصدير صورة سوريا غير الآمنة؟

3



شهدت دمشق تفجير عبوتين ناسفتين قرب فندق يقيم فيه الرئيس الفرنسي في رسالة سياسية أكثر منها عسكرية

اسماعيل درويش إعلامي وكاتب صحفي

الباحث السياسي السوري عصمت العبسي قال “قراءة التفجيرات التي شهدتها دمشق أخيراً يجب ألا تقتصر على بعدها الأمني المباشر” (رويترز)

ملخص
يتعارض استقرار سوريا مع مصالح جهات عدة، أولها إسرائيل التي ترى أن سوريا الموحدة لا تصب في مصلحتها، وكذلك إيران إذ إن خسارتها سوريا تعد أكثر خسارة لها منذ عقود، وهناك جهات مرتبطة بالنظام المخلوع تعرقل استقرار البلاد، والجهة الأخيرة هي تنظيم “داعش” الإرهابي الذي يعتبر أن استقرار سوريا يهدد بقاء ما تبقى من خلاياه.

بعد حرب طاحنة استمرت أكثر من 13 عاماً، سقط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في سوريا، وذلك بعد أن تفتتت البلاد، وانتشرت فيها عشرات الفصائل وآلاف المقاتلين من مختلف الجنسيات، بمشارب عدة، ولا يخفى على أحد أن جزءاً من الحرب السورية حمل الصبغة الطائفية، خصوصاً بعد ظهور تنظيمات مثل تنظيم “داعش” الإرهابي.

ويرى مراقبون أن نظام “البعث” كان يستخدم الوتر الطائفي في الصراع السوري، مشيرين إلى أن جزءاً من الطائفة العلوية كانت إحدى ضحايا النظام المخلوع، ومع سقوطه ظهرت مخاوف من فوضى عارمة قد تعم البلاد، لا سيما الانتقام أو القتل على الأسس الطائفية.



سوريا 2.png
الرئيسان السوري أحمد الشرع (يمين) والفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

والواقع الميداني في سوريا عكس الصورة تماماً، فخلال سنة ونصف السنة كان الاختراق الأمني للدولة الجديدة محدوداً للغاية، والأحداث التي شهدتها العاصمة دمشق أقل بكثير مما كان يُتوقع، لكن كانت هناك ثلاث أحداث مفصلية هددت بشكل مباشر أمن العاصمة، أولها تفجير كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة وسقوط ضحايا من المكون المسيحي السوري، وثانيها تفجير في مقهى قرب القصر العدلي بدمشق بعد أيام قليلة من محاكمة عدد من رموز النظام المخلوع بينهم وسيم الأسد، والحدث الثالث تفجير عبوتين ناسفتين تزامناً مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا يوم الإثنين الماضي. فمن يقف وراء محاولات تصدير صورة سوريا غير الآمنة؟

سياق سياسي أوسع
الباحث السياسي السوري عصمت العبسي قال “قراءة التفجيرات التي شهدتها دمشق أخيراً يجب ألا تقتصر على بعدها الأمني المباشر، بل ينبغي وضعها ضمن سياق سياسي أوسع، فهناك أطراف تدرك أن سوريا بدأت تستعيد تدريجاً حضورها الإقليمي والدولي، وأن الحكومة تعمل على تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة لعودة الاستثمارات والانفتاح الاقتصادي، لذلك فإن أي عملية أمنية، مهما كان حجمها، تتحول إلى مادة إعلامية وسياسية تهدف إلى ترسيخ انطباع بأن البلاد ما زالت تعيش حال فوضى، وأن الحديث عن التعافي سابق لأوانه”، مضيفاً “الجهات المستفيدة من تصدير هذه الصورة ليست طرفاً واحداً، بل تتقاطع عندها مصالح جهات متعددة، من بينها تنظيمات إرهابية تحاول إثبات أنها ما زالت قادرة على تنفيذ عمليات نوعية بعد الضربات التي تلقتها، إضافة إلى أن شبكات مرتبطة بالنظام السابق فقدت نفوذها ومصالحها مع التغيير السياسي، فضلاً عن أطراف خارجية لا تنظر بارتياح إلى استعادة سوريا علاقاتها العربية والدولية، لأنها ترى في استقرارها تغيراً في موازين القوى الإقليمية”.

رسالة للخارج
وأكد الباحث السوري أن “التوقيت يحمل دلالات لا تقل أهمية عن طبيعة العمليات نفسها، إذ غالباً ما تتزامن مثل هذه التفجيرات مع زيارات دبلوماسية، أو خطوات سياسية، أو تحركات اقتصادية مرتبطة بإعادة الإعمار ورفع مستوى التعاون مع دول أخرى، والرسالة هنا لا تستهدف الداخل السوري فقط، بل توجه أيضاً إلى المستثمرين والشركات والوفود الأجنبية، ومفادها بأن الأخطار الأمنية لا تزال مرتفعة، في محاولة لعرقلة مسار الانفتاح وإبطاء عودة النشاط الاقتصادي، وعلى رغم خطورة هذه العمليات، فإنها لا تعكس بالضرورة تراجعاً في الوضع الأمني العام، لأن الدول الخارجة من نزاعات طويلة تبقى معرضة لمحاولات اختراق تنفذها خلايا صغيرة تعتمد على عنصر المفاجأة أكثر من اعتمادها على السيطرة الميدانية، الفارق الحقيقي يكمن في قدرة الأجهزة الأمنية على كشف تلك الشبكات ومنع تحولها إلى ظاهرة مستدامة، وهو ما تعمل عليه المؤسسات الأمنية السورية عبر تطوير العمل الاستخباري وتعزيز التنسيق الميداني”.

اقرأ المزيد

سوريا: الخلية المسؤولة عن التفجيرين خلال زيارة ماكرون تتبع لـ”داعش”

زيارة ماكرون إلى دمشق تحبس أنفاس “المقاتلين الفرنسيين”

بعد تفجيري دمشق: 4 أسئلة عن ظهور “داعش” الجديد في 2026

تفجير كنيسة مار إلياس… إرهاب داعشي يوحد السوريين
الرهان الإعلامي
وبحسب العبسي أيضاً فإن “الرهان اليوم لم يعد على إسقاط الدولة أو السيطرة على مناطق كما كانت الحال خلال سنوات الحرب، بل على التأثير في الصورة الذهنية لسوريا أمام المجتمع الدولي، لذلك فإن المعركة الحالية هي معركة أمن وإعلام في آن واحد، فكل عملية إرهابية تسعى إلى تحقيق أثر نفسي وسياسي يتجاوز حجمها الميداني، بينما يبقى نجاح الدولة مرهوناً بالحفاظ على الاستقرار، والاستمرار في ملاحقة الخلايا النائمة، وعدم السماح لهذه الحوادث بأن تعطل مسار التعافي الذي بدأته البلاد”.

من ناحيته، رأى الصحافي السوري مؤتمن حميدي أن “من الخطأ اختزال المسؤولية في جهة واحدة، لأن الساحة السورية أصبحت نقطة تقاطع لمصالح متعارضة، وهناك أكثر من طرف قد يجد في إظهار سوريا كدولة غير مستقرة مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، لكن في الوقت نفسه، يجب التمييز بين الحديث عن الجهات المستفيدة سياسياً، وبين توجيه اتهامات بالوقوف خلف عمليات بعينها، فذلك يحتاج إلى أدلة وتحقيقات أمنية”.

إسرائيل أم إيران أم كلاهما؟
أضاف حميدي أن “إسرائيل تُعد من بين الأطراف التي قد تستفيد من استمرار صورة عدم الاستقرار، لأنها تنظر إلى قيام دولة سورية مستقرة تمتلك مؤسسات فاعلة وجيشاً يعيد بناء قدراته باعتباره تطوراً لا يخدم استراتيجيتها الأمنية طويلة المدى، كما أن استمرار الحديث عن التهديدات الأمنية داخل سوريا يمنح إسرائيل مساحة أوسع لتبرير عملياتها العسكرية المتكررة، وإبقاء الملف السوري ضمن دائرة الاعتبارات الأمنية الإقليمية، ومن جانب آخر فإن إيران أيضاً لديها دوافع مختلفة، فبعد تراجع نفوذها داخل سوريا مع التغيير السياسي، فإن نجاح الحكومة الجديدة في تثبيت الأمن والانفتاح على العالم العربي والغرب يعني تضاؤل فرص طهران في استعادة حضورها السابق، لذلك فإن أي تعثر أمني أو اقتصادي قد يعزز خطاباً يقول إن مرحلة ما بعد التغيير لم تحقق الاستقرار المنشود، وهو ما يخدم الرؤية الإيرانية التي لطالما ربطت استقرار سوريا باستمرار نفوذها داخلها”.

“داعش” وأنصار النظام المخلوع… مصلحة مشتركة
وأوضح الصحافي السوري أنه إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال التنظيمات الإرهابية “وعلى رأسها تنظيم داعش، التي ترى في أي تحسن أمني تهديداً مباشراً لبقائها، فهذه التنظيمات تعتمد على تنفيذ عمليات محدودة لكنها ذات أثر إعلامي كبير، ليس بهدف السيطرة على الأرض كما في السابق، وإنما لإثبات أنها لا تزال موجودة وقادرة على ضرب العمق السوري، وبالتالي تقويض ثقة المواطنين والمستثمرين والدول الذين بدأوا ينفتحون على دمشق، ولا يخفى على أحد أيضاً وجود شبكات مرتبطة بالنظام السابق خسرت نفوذها السياسي والاقتصادي، ومن مصلحتها إظهار الحكومة الجديدة عاجزة عن إدارة الملف الأمني، لأن ذلك قد يضعف الثقة الداخلية والخارجية بها، وفي النهاية فإن ما يجمع هذه الأطراف، على رغم اختلاف أهدافها، هو أن استقرار سوريا ونجاحها في جذب الاستثمارات واستعادة علاقاتها الطبيعية مع محيطها سيقلص كثيراً من أوراق الضغط التي تمتلكها، ولذلك فإن معركة الصورة باتت لا تقل أهمية عن المعركة الأمنية نفسها”.

التعليقات معطلة.