الحل خرج من يد الدولة إلى الشراكة مع القطاع الخاص ودور الدولة ينحصر في السيطرة على الأسعار
صباح ناهي باحث وكاتب عراقي
مدخل مبنى وزارة الكهرباء العراقية في بغداد (أ ف ب)
ملخص
يعاني أحد أكثر البلدان امتلاكاً للنفط والغاز في العالم أزمة عميقة في قطاع الكهرباء، تعوق نمط الحياة العادية فيه، لا سيما في فصل الصيف الذي يحرق سحنة المواطن في العراق وجيبته في آن، وذلك بسبب فقدان الطاقة الوطنية واضطراره للجوء إلى أصحاب المولدات الخاصة لشراء الأمبيرات.
تتوالد الأزمات في العراق كتوالد الأرانب، جراء عوامل كثيرة منها الفساد الذي ينخر مفاصل البلاد، في مختلف القطاعات العامة والخاصة، أبطاله جيل من سياسيي الفساد، والبرلمانيين الذين قذفت بهم السياسة المرهونة لدول إقليمية، في مقدمها إيران التي وفرت لهم الحماية لكي تضمن من وجودهم في السلطة المنفعة المالية التي لم تعد مخفية على الرأي العام العراقي الذي يجاهر كل حين بسخطه على ما يحدث في بلاد الرافدين.
الملف الأكثر إلحاحاً
ومن بين أهم الملفات التي يعانيها المواطن العراقي، ملف الكهرباء، الذي يصفه المراقبون بأنه النفق المظلم والبحر الذي تهدر فيه موارد الدولة العراقية، فقد أنفق بين عامي 2022 و2026، مرحلة حكومة محمد شياع السوداني، أكثر من 54 تريليون دينار عراقي (36 مليار دولار) دون أي تحسن في الطاقة الكهربائية ولم يشعر المستهلك العراقي بأي أثر في البرمجة اليومية التي تتبعها وزارة الكهرباء، بل زادت الشكوى من ساعات القطع المبرمج الذي يزيد من تذمر المواطنين ويجعلهم ينفقون الملايين على شراء “الأمبيرات” من أصحاب المولدات الخاصة بما يزيد معاناة المستهلك بخاصة ذوي الدخل المحدود.
هذا الواقع الملتبس دفع البرلمان العراقي إلى استدعاء وزير الكهرباء، علي سعدي وهيب، وإحراجه بالأسئلة التي تطالب بالحل، لكنه أوضح أن الأزمة أكبر من أن تحل خلال سنة أو سنتين لأنها ناتج من تراكم الفساد والفشل المستمر، مما دفع البرلمان إلى التصويت بالغالبية على فتح ملفات الفساد وهدر المال العام في جميع مفاصل وزارة الكهرباء منذ عام 2003 مع إحالة الملفات إلى الجهات الرقابية لمحاسبة المتورطين بعقود ومشاريع لم تنفذ.
وفي وقت انبرى فيه عدد من النواب على لوم الوزارات المتعاقبة على إخفاقها في حل أزمة الكهرباء والهدر الذي تسببه لموارد الدولة، ظل الشارع العراقي في حال غضب على عدم التوصل إلى حلول قريبة تتناسب وتصاعد ذروة حر الصيف اللاهب.
الحاجة الفعلية… 60 ألف ميغاواط
وزير الكهرباء الجديد علي سعدي وهيب صدم البرلمانيين بعرض حقائق تواجه وزارته، أبرزها الحاجة الفعلية إلى طاقة كهربائية تصل إلى 60 ألف ميغاواط، بينما يمثل المنتج الحالي ثلث كمية الإنتاج المطلوب، يرافقه فقدان الطاقة بنسبة 60 في المئة، بسبب التجاوزات على خطوط النقل وهي نسبة مرتفعة بالمعيار العالمي. وعزى الوزير النقص الذي يواجه إنتاج الطاقة الكهربائية، الذي انخفض إلى 22 ألف ميغاواط جراء خروج بعض المحطات عن الخدمة، بعدما كان عند 27 ألف ميغاواط، إلى نقص تجهيز الوقود من إقليم كردستان، إضافة إلى فقدان 3 آلاف ميغاواط نتيجة توقف التزود بالغاز الإيراني. وخلص الوزير العراقي إلى القول إن مشكلات الكهرباء لا يمكن حلها بسقف زمني محدد، كون المنظومة الكهربائية في حال تراجع.
AFP__20240721__364P2TG__v1__HighRes__IraqEconomyElectricityWeatherProtest.jpg
جانب من التظاهرات التي جرت في الديوانية بجنوب العراق، احتجاجاً على انقطاع الكهرباء في 21 يوليو 2024 (أ ف ب)
الحلول ليست ميسرة
يقول الناطق السابق باسم وزارة الكهرباء العراقية، أحمد موسى، معلقاً على الواقع الحالي، إن “الحكومة الحالية لن تتمكن من عمل شيء في هذا الموسم يحسن واقع تجهيز المستهلكين إلى حين اعتدال درجات الحرارة، بينما المعالجات السريعة معدومة وضعيفة في تقديم حلول آنية. وأظن أن الحل لأزمة الكهرباء خرج من يد الحكومة إلى الشراكة مع القطاع الخاص، مقرونة بالشراكة مع المستثمرين، ويبقى دور الدولة كداعمة ومسيطرة على الأسعار حتى ترحم المواطن ولا تتسلط عليه. فلن تتمكن الدولة مستقبلاً من دفع مليارات الدولارات سنوياً، إذ دفعت خلال ثلاثة أعوام 54 تريليون دينار عراقي أي ما يعادل 36 مليار دولار على قطاع الكهرباء”.
وأكد موسى أهمية زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن التي توصلت إلى اتفاق مع الجانب الأميركي سيفضي إلى عقد شراكة مع أربع شركات كبرى في مجال الطاقة وهي شركات “شيفرون”، و”ستلير”، و”إكسون موبيل”، و”جنرال إلكتريك”، ويجري استثمار الغاز العراقي بحزمة واحدة يبدأ من استخراجه وعمل محطات كهرباء في الموقع ونقل الطاقة من خلال خطوط.
أوجه عدة لإنتاج الكهرباء
من جهة أخرى يذهب وزير الكهرباء العراقي السابق، سحبان فيصل محجوب، إلى تحليل أزمة نقص الكهرباء في العراق بالقول إن “مشكلة الكهرباء متعددة الجوانب تواجهها معضلات جراء تنوع مصادرها فهناك الكهرباء الوطنية التي تنتج من محطات التوليد الخاصة بالمنظومة الوطنية العراقية، وهناك كهرباء استثمارية، وهناك كهرباء أهلية من خلال المولدات المنتشرة في المحال السكنية، إضافة إلى الكهرباء المستوردة متعددة الجنسيات، فهناك الكهرباء الإيرانية، والتركية، والكردية، والمدنية التي تقع على عاتق المواطن، وهناك الكهرباء التجارية من خلال البوارج المتحركة في البحر، ولكل من هذه الأنواع المتعددة مواصفات يصعب على إدارة الكهرباء في أي بلد في العالم أن تضع شروطاً ومقاييس وتحديدات مسيطرة على عمل هذه الأنواع من الكهرباء”.
المنظومة الكهربائية الأسيرة
ويرى محجوب أن أزمة الكهرباء معقدة، ويضيف “يمكنني أن أصف المنظومة الكهربائية في العراق بأنها أسيرة وقعت بين مخالب نسر متغطرس، لا يفلتها بسهولة فهو يعدها فريسة ثمينة له حصراً لا يفرط بها لأحد أبداً مهما كانت الظروف والمغريات، وما إن تشعر النسور الأخرى التي تحوم حولها بأن مخالب النسر القابض عليها قد تراخت قليلاً تراها تبدأ بالاقتراب منها عسى أن تفوز بها بعد تخليه عنها، إلا أن هذا النسر العنيد يحكم السيطرة عليها فهو صاحب القدرة العالية على إتمام وإظهار ذلك… فتراه يقوم بحركات استعراضية رشيقة تمكنه من إبعاد من يتربص بفريسته الرهينة فهو لا يقبل بأي طرف كان لينافسه في الاستحواذ عليها، فمنذ أعوام طويلة لا تزال محاولات ترميم هذه المنظومة عالقة بمخالب قاسية تمنع الشروع في تنفيذ خطوات عملية وملموسة لإصلاحها، ففي غضون مدة زمنية قصيرة لم تتجاوز الشهر، وقع الجانب العراقي مذكرتي تفاهم مع اثنتين من كبريات الشركات العالمية المتخصصة في مجال مشاريع الطاقة الكهربائية، الأولى كانت مع شركة ‘سيمنز’ الألمانية تمت مراسيم توقيعها عندما أجرى وفد حكومي عراقي كبير زيارة رسمية إلى ألمانيا، أما الثانية فوقعت أخيراً في العاصمة بغداد مع شركة ‘جي إي’ (جنرال إلكتريك) الأميركية، فبعد الاحتلال ومرور عقدين من الزمن تقريباً، لا تزال البنود التي تم الاتفاق عليها عديمة الفعل في مخرجاتها أو لم تر النور أصلاً، فلم ينتج منها أي تطور منتظر في وسائل مواجهة الأزمة الحادة في واقع الخدمة الكهربائية التي عانى تبعاتها العراقيون طويلاً”.
اقرأ المزيد
احتجاجات في شرق العراق رفضا لانقطاع الكهرباء
مع تحذيرات “صادمة”… كيف تتأثر سوق النفط بنمو الطلب على الطاقة الكهربائية؟
100 عام على ميلاد نفط العراق
حلول ترقيعية
في السياق يكشف الباحث الاقتصادي، مازن العبودي، جوانب من الخلل في قطاع الطاقة العراقية، فيقول إنه “منذ عقود، تعاقبت الحكومات وتغير الوزراء، لكن طريقة التفكير بقيت كما هي، فقد استمرت الدولة في الاعتماد على فلسفة القطاع العام التقليدية، واللجوء إلى الحلول الترقيعية، مع الإصرار على إنشاء محطات توليد جديدة، على رغم عدم امتلاك العراق ما يكفي من الغاز لتشغيلها بصورة مستقرة، وبقيت وزارة الكهرباء تعتمد النموذج ذاته الذي أسست عليه منظومة إنتاج ونقل وتوزيع الطاقة منذ قيام الدولة العراقية، والقائم على توليد الكهرباء في محطات مركزية ثم نقلها عبر شبكة رئيسة واحدة لتغذية جميع المحافظات. وبهذه الطريقة أصبحت المنظومة الكهربائية تتصرف وكأنها جسد واحد فإذا أصيب جزء منه بخلل، تعطلت بقية الأجزاء، فضلاً عن الهدر الفني والأعطال التي ترافق نقل الطاقة لمسافات طويلة”.
ويضيف أنه “في عام 2010 قدمت مقترحاً يدعو إلى إنشاء محطات توليد مستقلة لكل محافظة، أو لكل محافظتين، بحيث تعمل كل منطقة ضمن منظومة شبه مستقلة، وكان الهدف من ذلك تقليل الضياعات، ورفع كفاءة التشغيل، وحصر تأثير أي عطل ضمن نطاق جغرافي محدود، بدل امتداده إلى معظم أنحاء البلاد، لكن ذلك المقترح وللأسف، لم يلق دراسة جادة، بل قوبل بشيء من التندر والاستخفاف من بعض المسؤولين عن هذا الملف. واليوم، ومع التطور الكبير في تقنيات إنتاج الطاقة، لم يعد منطقياً أن تبقى الدولة المنتج الوحيد للكهرباء. ففتح المجال أمام القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمار في المحطات المحلية، والتوسع في مشاريع الطاقة الشمسية والغاز المصاحب، واعتماد اللامركزية في إنتاج الطاقة، يمكن أن يحول الكهرباء من أزمة مزمنة إلى قطاع اقتصادي منتج. إن توزيع مصادر الإنتاج بين المحافظات لا يعزز الاستقرار الفني فحسب، بل يرفع مستوى الأمن الطاقي، ويمنح كل محافظة قدرة أكبر على تلبية حاجاتها”.
ويخلص الباحث إلى أن “العراق لا يعاني نقصاً في الحلول، بقدر ما يعاني نقصاً في الجرأة على اتخاذ القرار. فالأوطان لا تتقدم بكثرة اللجان والدراسات، وإنما تتقدم عندما يمتلك قادتها الشجاعة لتبني الأفكار الجديدة، والإرادة لتحويلها إلى واقع. فصناعة القرار ليست امتلاك السلطة، بل امتلاك الرؤية والقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص”.
متخصصون يشككون بالحاجة الفعلية
أمام هذا الواقع المعقد لأزمة الكهرباء التي يدفع كلفتها المواطن العراقي وينتفع منها المرابون في هذا القطاع، تتعالى أصوات متخصصين يشككون في أرقام الحاجة الفعلية لوحدات الطاقة التي يقال إنها تصل إلى 60 ألف ميغاواط.
ويعزو الباحث الاقتصادي العراقي، علاء حسن فرج العقابي، ذلك إلى ما يصفه بـ”خلل هيكلي” يضرب الدولة العراقية، مستنداً إلى مقارنة أجراها بين الواقعين العراقي والمصري في قطاعات الصناعة، والسكن، والكهرباء. فمن خلال مقارنته بتسليط الضوء على “الفجوة المرعبة” في القطاع الصناعي الخاص، “يملك العراق ما بين 3 و4 آلاف معمل فقط في عموم البلاد (ما عدا إقليم كردستان)، بينما تكشف الأرقام المصرية عن واقع مغاير تماماً، إذ تمتلك مصر 68825 مصنعاً في القطاع الخاص، مع خطط طموحة للوصول إلى 100 ألف مصنع. أما بالنسبة إلى السكن، فإن عدد سكان مصر وصل إلى 110 ملايين نسمة، مقابل نحو 46 مليون في العراق، وتملك مصر 48 مليون وحدة سكنية، مقابل 8.5 مليون وحدة سكنية فقط في العراق. وهنا المنطق يفرض أن مصر، الأكثر سكاناً وسكناً، هي الأكثر طلباً للطاقة، لكننا نجد أن الدولة صاحبة الـ69 ألف مصنع، والـ110 ملايين نسمة، والـ48 مليون وحدة سكنية، تكتفي بـ35 ألف ميغاواط فقط لتغطية حاجتها”، على حد تعبيره.
ويتابع “في المقابل فإن العراق، الذي يكاد يفتقر إلى الصناعة، والذي تبلغ وحداته السكنية وتعداده السكاني نحو نصف مصر، يتحجج بالحاجة إلى 60 ألف ميغاواط”.
هذا الرقم “المطلوب” في العراق من وزارة الكهرباء، كما أشار الوزير علي سعدي وهيب، يوازي ضعف حاجة مصر الصناعية والسكانية، وهو ما اعتبره العقابي “دليلاً على غياب الإنتاج الحقيقي، ووجود هدر كارثي، وغياب إدارة ملف الطاقة والاقتصاد بكفاءة، ومؤشر إلى أزمة اقتصادية وإدارية لا يمكن السكوت عنها”.
أمام هذا الواقع الملتبس تتبدد آمال العراقيين بالخروج من الظلام الذي يسببه غياب الكهرباء التي دخلت في أكبر أنفاق الفساد والوعود الكاذبة.

