
شكلت فضيحة التنصت على مكالمة لنقاشات داخلية بين ضباط من القوات الجوية الألمانية سربتها، الجمعة، مديرة قناة “روسيا اليوم”، كما على منصة تلغرام الخاصة بالقناة التي ترأسها، مادة دسمة للنقاش السياسي والأمني في البلاد، ووصل الأمر إلى المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق في البوندستاغ، ودق ناقوس الخطر لاتخاذ احتياطات أمنية أفضل. فهل يكون التسريب الصوتي مبرراً للمستشار شولتس الرافض تسليم صواريخ تاوروس إلى أوكرانيا؟ مهاجمة البوندسفير لأهداف روسيةالتسجيل الصوتي المسرب الذي تزعم فيه موسكو أنه حصل يوم 19 شباط (فبراير) الماضي، ومدته 38 دقيقة، دفع روسيا إلى اتهام الجيش الألماني بالتخطيط لشن هجوم على أهداف روسية في شبه جزيرة القرم، لا سيما أنه بعد انتشار التسريب تمت تسمية قائد القوات الجوية الألمانية إنغوغير هارتز والجنرال فرانك غريفي وضابطين آخرين، وفي التسجيل يمكن سماع الضباط يتحدثون بالتفصيل حول كيف يمكن للبوندسفير تقديم الدعم الفني لتسليم صاروخ تاوروس بعد قرار إيجابي من المستشار شولتس. وذكروا أيضاً أن التسليم والنشر السريع لن يكونا ممكنين إلا بمشاركة الجنود الألمان، وتدريب الجنود على تاوروس للقيام بالمهمة تحت إشرافهم سيكون ممكناً، لكنه سيستغرق شهوراً. علاوة على ذلك، تمت مناقشة السيناريوات التشغيلية لكيفية المساعدة في تدريب الطيارين الأوكرانيين وبرمجة نظام الأسلحة، إلى مسألة ما إذا كانت صواريخ تاوروس قادرة نظرياً من الناحية الفنية على تدمير الجسر الذي بنته روسيا في شبه جزيرة القرم. وبينت تعليقات أن المشاركين كشفوا خلال المناقشات عن معلومات عسكرية حساسة من المرجح أن تزود المخططين العسكريين الروس برؤى مهمة، بينها قدرات صواريخ تاوروس وما التحديات المرتبطة بتسليمها إلى أوكرانيا، وعن أن أحد المشاركين اعتبر أن تسليم أوكرانيا 100 صاروخ تاوروس حداً أقصى واقعي بالنسبة إلى الجيش الألماني وأن يتم على دفعتين. وبخصوص كيفية حصول التسجيل، فإن الأمر لا يزال غير واضح، إذ نقلت صحيفة “بيلد” عن دوائر أمنية أن هناك تكهنات بتعرض غرفة أحد الضباط خلال وجوده في أحد الفنادق في سنغافورة للمشاركة في مؤتمر للتنصت أو أنه ربما تم استخدام وسيلة اتصال غير آمنة، وقد تكون منصة ويبكس، فيما أشارت “شبيغل” إلى أن التحليل الداخلي والتقييم الأولي يفترضان أن التسجيل الصوتي هو للقاء حقيقي، وهناك استبعاد لأن يكون مزيفاً أو مدعوماً بالذكاء الاصطناعي، لافتة إلى أن جهاز مكافحة التجسس العسكري بدأ تحقيقاته فور نشر التسجيل، وكل ذلك وسط خشية المسؤولين من أن تكون روسيا قد اعترضت المزيد من الاتصالات الداخلية. ردود سياسية ساخطة وأثار اعتراض أجهزة الاستخبارات الروسية محادثة ضباط القوات الجوية سخط الوسط السياسي في البلاد، إذ اعتبر السياسي عن حزب الخضر رئيس لجنة الرقابة البرلمانية في البوندستاغ كونستانتين فون نوتس أنه إذا ثبت أن التنصت المزعوم حقيقي فستكون عملية إشكالية للغاية، والسؤال الذي يطرح نفسه ما إذا كان هذا حدث لمرة واحدة أو مشكلة أمنية هيكلية. وقال مسؤول السياسة الدفاعية في الحزب المسيحي الديموقراطي رودريش كيزيفتر، إن التجسس جزء من مجموعة أدوات الحرب الهجينة لروسيا، لذلك ليس من المستغرب بأي حال من الأحوال أن يتم اعتراض مثل هذه المحادثة، موضحاً أنه مع هذا التسريب، تريد روسيا أخيراً منع ألمانيا من تزويد أوكرانيا بتاوروس التي تحتاجها بشدة. لكن الأخطر هو ما قاله رئيس كتلة الحزب الاجتماعي المسيحي البافاري ألكسندر دوبراندت لـ”شبيغل”، وفيه أن تسريب التسجيل غريب من ناحيتين: فمن ناحية من الواضح أن الروس يتنصتون على المحادثات الألمانية المتعلقة بالأمن، ومن ناحية أخرى ربما يبرر للمستشار رفضه تسليم تاورس إلى أوكرانيا وطالبه بتوضيح الواقعة في البوندستاغ، وفي هذه الحالة لا يمكن استبعاد فكرة تشكيل لجنة تحقيق برلمانية. وكانت كييف قد طلبت في أيار (مايو) من العام الماضي صواريخ تاوروس الدقيقة في إصابة أهدافها وبمدى أكثر من 500 كيلومتر، حتى تتمكن من ضرب الخدمات اللوجستية ومخازن الذخيرة الروسية خلف الجبهة. أسباب رفض شولتسوتحدث المستشار شولتس مرات عدة ضد تسليم أوكرانيا صواريخ كروز الألمانية من طراز تاوروس للدفاع عن نفسها ضد روسيا رغم إلحاح كييف، وقدم قبل أيام أسباباً مفصلة لرفضه مستخدماً في المقام الأول الحجج الفنية، وأن استخدام أوكرانيا هذه الصواريخ سيتطلب مشاركة جنود ألمان في الاستهداف، وحذر من إمكان أن تجد ألمانيا نفسها متورطة بطريقة ما في الحرب التي بدأتها روسيا في أوكرانيا. ومن وجهة نظر شولتس، فإن التحكم في الهدف من شأنه أن يجعل ألمانيا طرفاً، موضحاً أن ما يفعله البريطانيون والفرنسيون من استهداف ودعم الاستهداف ومرافقة السيطرة على الأهداف لا يمكن لألمانيا القيام به، في إشارة إلى الدور الذي يقوم به البلدان اللذان سلما صواريخ كروزستورم شادو وسكالب (مداها 250 كيلومتراً) إلى أوكرانيا. وفي وقت يعتبر خبراء عسكريون أن تخوف شولتس مبالغ فيه، ويفترضون أنه لا يتعين بالضرورة إرسال جنود ألمان إلى أوكرانيا من أجل ذلك، وهناك سبل يمكن لأوكرانيا من خلالها استخدام تاوروس حتى من دون نقل بيانات هدف محدد من الجيش الألماني، رفضت أيضاً خبيرة الدفاع في حزب الخضر ماري أغنس ستراك تسيمرمان ادعاءات شولتس، ووصفتها بالخاطئة وبأنه ليس هناك من حاجة لوجود الجنود الألمان في أوكرانيا من أجل صواريخ تاوروس. ومن جهته، اعتبر خبير السياسة الخارجية في الحزب المسيحي الديموقراطي نوربرت روتغن أن تاوروس ذو أهمية استراتيجية لأنه سيسمح للأوكرانيين بتدمير المواقع في الأراضي المحتلة من دون الاقتراب من خطوط المواجهة، وسيحمي الجنود والمدنيين. البعد القانوني وفي ظل خشية شولتس من أن يفسر بوتين تسليم صواريخ تاوروس على أنه دخول لألمانيا في الحرب وتصعيد لوضع حرب بين الناتو وروسيا، قال الخبير في القانون الدولي في معهد “ماكس بلانك” للقانون العام المقارن والقانون الدولي في هايدلبرغ ألكسندر فينتكر إن المعايير القانونية لتحديد متى تصبح الدول “أطرافاً في النزاع” وفقاً للمعاهدات الدولية، غير محددة بدقة وتنشأ خاصة من ممارسات الدول التي تطورت في صراعات سابقة.وأوضح أنه يجب استيفاء شرطين أساسيين: أولاً يجب أن يكون هناك ارتباط مباشر بالعمليات القتالية التي تسبب أضراراً عسكرية للعدو، ثانياً يجب أن يتم تنسيق الدعم تنسيقاً وثيقاً مع العمليات العسكرية للدولة المدعومة. وخلص إلى أنه من خلال دعم أوكرانيا بالأسلحة فقط لا تكون ألمانيا تدخلت بالحرب مباشرةً، والأهم من ذلك مدى مشاركة ألمانيا على نطاق واسع بالأسلحة الثقيلة والنوعية في الحرب. وتاوروس صاروخ صغير الحجم برأس حربي يزن 400 كلغ، ويطلق من الجو عبر طائرة مقاتلة، ويتميز بخصائص هائلة بينها اختراق الخنادق والأقبية الشديدة التحصينات، ويتم تزويده بداتا عن هدفه قبل الإطلاق ليعمل على تحديد الهدف وقصفه، أي أنه يستقبل مكان الهدف قبل انطلاقه ويبحث عنه ذاتياً، ناهيك عن أنه يطير على علو 35 متراً فقط وبعيداً عن رادارات العدو، ويتميز بأربعة أنظمة ملاحة منفصلة تصعب على الدفاعات الجوية المعادية اعتراضه.

