
ثمة رسائل موجهة إلى أطراف محلية ودولية، حملها تدريب هو الأكبر من نوعه لـ”الجيش الوطني” الليبي في جنوب مدينة سرت (وسط ليبيا)، وحضر مرحلته الرئيسية قائده المشير خليفة حفتر، وسط انسداد أفق الحل السياسي وتصاعد الصراع بين الفرقاء.
فعلى بعد كيلومترات قليلة من خطوط التماس التي رُسمت على إثر اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين المتقاتلين في تشرين الأول (أكتوبر) 2020 في جنيف، وعلى بعد نحو 500 كلم من العاصمة طرابلس، خاطب حفتر خصومه ملوّحاً بـ”قرارات جريئة”، بعدما أصبح “مجال منح الفرص ضيقاً، والصبر صار على حافة النفاد”، في إشارة متكررة خلال الآونة الأخيرة بإمكانية الهجوم مجدداً على مناطق سيطرة خصومه في غرب ليبيا. “التدرّب على الهجوم”
وبعدما استمع إلى شرح للمهمات التدريبية التي نفذتها قوات الجيش الوطني الليبي، والذي أذيع عبر البث المباشر لعدد من المنصات، كان لافتاً أن حفتر تلقف الكلمة، بشكل بدا معدّاً مسبقاً، ليوجّه جنرالاته نحو تدريب القوات على المهمات الهجومية، منتقداً الاكتفاء بالدفاعية، لأن “الهجوم أحياناً يكون خير وسيلة للدفاع”.

لكن القائد العسكري الذي يسيطر على شرق البلاد عاد ليخفض سقف التصعيد، مشيراً إلى أن التدريبات العسكرية التعبوية الحالية تأتي في إطار “استكمال الاستعدادات الدفاعية تأكيداً واستعداداً لأي طارئ يهدد أمن واستقرار ليبيا من الداخل والخارج”.
وفيما كانت البصمات الروسية واضحة في التدريبات، وخصوصاً من حيث تحديث المعدات العسكرية ولا سيما الدفاع الجوي والطيران، لوحظ أيضاً تطور كفاءة العناصر التي نفذت تمرينات منسقة بالذخيرة من البر والجو والبحر. وشدد حفتر في كلمته على أن “السلاح في ليبيا يظل بعيد المنال ما لم تغادر جميع القوات الأجنبية والمرتزقة أراضينا دون مماطلة أو شروط”، وسط مساع أميركية لتشكيل قوات مشتركة تحت مظلتها، لتأمين المناطق الحدودية الجنوبية التي تتولى مهمتها قوات “الجيش الوطني”.
وقال الجنرال الليبي الطامح إلى اعتلاء قمة السلطة، إن “الجيش الليبي الذي تعرض لخطر الفناء قد استعاد الحياة من جديد. إننا جاهزون ولن نتردد في إصدار الأوامر للتصدي لكل ما من شأنه أن يعبث بمصير البلاد أو يعرض سلامة الوطن للخطر”. “لا يستطيع مفتٍ أن يشوّهها”
وخاطب القوى الدولية قائلاً: “إذا كان العالم حريصاً على السلام في ليبيا، فإن من واجباته أن يضع هذه المطالب المشروعة في مقدمة أولوياته وفرضها بكل الوسائل قبل أن تتطور الأحداث والتداعيات إلى ما يزعزع الاستقرار في المنطقة بأسرها”. وأضاف: “نؤكد لكل الليبيين حقيقة ليست غائبة عنهم، ولا يستطيع مفتٍ أن يشوهها مهما بلغت درجة الإبداع في التضليل وتزوير الحقائق، بأن الجيش الوطني هو جيش الشعب الليبي بكامله لا يفرق بين مدينة وأخرى أو قبيلة وأخرى… ليس في مفردات قاموسنا شرق وغرب وشمال وجنوب بل ليبيا الواحدة المتماسكة”.

وتطرق قائد الجيش الوطني إلى الأزمة السياسية المتفاقمة، مشدداً على أن “سلامة ليبيا مرهونة بتحقيق انفراج في المسار السياسي، الذي تتعمد بعض الأطراف المنخرطة فيه اختلاق العراقيل والحجج الواهية ليظل مسدوداً ويستمر الوضع على ما هو عليه حفاظاً على مكاسبهم الخاصة”، فيما بدا حضور رئيس الحكومة الموازية في الشرق أسامة حماد فاعليات التدريب برفقة حفتر، رسالة برفض الأخير اقتراحاً يُروّج ويقضي بدمج الحكومتين المتنازعتين في الشرق والغرب، تحت رئاسة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، مع منح الشرق الليبي حصة وازنة من الحقائب الوزارية. “أكثر مما ينبغي”
واعتبر حفتر أن “هذا المسار قد أُعطي من الفرص أكثر مما ينبغي دون أن تظهر في الأفق أي ملامح لحلول توافقية تنتهي بتسوية سلمية عادلة وتدفع باتجاه تحقيق الاستقرار السياسي”، مضيفاً: “نبشر المعرقلين بأنهم لن يفلحوا وأن عليهم أن يعيدوا النظر في حساباتهم قبل أن تفاجئهم الأحداث بما لا يشتهون أو يتوقعون”.
وحرص على الدفاع عن الجيش الوطني وسط موجة اتهامات من معارضيه بأنه طرف رئيسي في تقويض العملية السياسية، وقال: “الدول المتحضرة لا تبني جيوشها لقهر الجيوش الأخرى، وتدمير مقدراتها ونهب خيراتها، ولا لينقلب عليها جيشها ليمارس القمع والاستبداد والظلم والاضطهاد، بل لتحصن نفسها وتحمي حدودها وتعزز سيادتها وتفرض إرادتها فوق أراضيها”، قبل أن يعود إلى لهجته الصارمة مضيفاً: “الجيش سيبقى دائماً منحازاً لإرادة الشعب… وهو رهن إشارته ومستعد في كل الأوقات لاتخاذ ما يلزم من تدابير دون إذن من أحد لضمان سلامة الوطن وحفظ استقرار البلاد”.
“تكثيف الضغط” فحسب؟
مصادر ليبية مطلعة أكدت لـ “النهار العربي” أن الجيش الوطني “لا يعتزم خرق اتفاق وقف إطلاق النار”، موضحة أن خطاب حفتر “ليس معناه التصعيد العسكري أو التمهيد لشن هجوم، وإنما محاولة لتكثيف الضغط على الفرقاء السياسيين والأطراف الدولية النافذة للتوصل إلى تسوية سياسية تجنباً لانحدار الوضع إلى العنف مجدداً”. وقالت: “حفتر كان حريصاً على تذكير المجتمع الدولي، من موقع قوة وليس ضعف، بالملفات الشائكة وعلى رأسها الوجود العسكري الأجنبي لإعطائه الأولوية في محادثات الحل”.

