عندما يصبح الاحتلال “خدمة”: هل يدفع العراق ثمن الحرب التي دمرت كيانه؟

5

 

 

في تصريح يفتقر إلى أدنى درجات المنطق والعدالة، دعا مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، الجنرال مايكل فلين، الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب إلى فرض تعويضات على العراق مقابل ما أنفقته الولايات المتحدة على حرب 2003. هذا التصريح ليس مجرد تجاوز سياسي أو طرح رأي شخصي، بل هو إهانة للعقل والمنطق، ومحاولة لإعادة صياغة التاريخ بما يتناسب مع الرؤية الأمريكية التي تسعى إلى تبرئة نفسها من تبعات الغزو الكارثي للعراق.
من يجب أن يدفع الثمن حقًا؟
إذا كان هناك طرف يجب أن يدفع ثمن هذه الحرب، فهو الولايات المتحدة نفسها، التي غزت العراق بناءً على ادعاءات ثبت بطلانها، ودمرت بنيته التحتية، ودفعت البلاد إلى حافة الهاوية السياسية والاجتماعية.
ان الغزو الأمريكي لم يكن مجرد حملة عسكرية، بل كان كارثة شاملة أدت إلى مقتل مئات الآلاف من العراقيين، وتشريد الملايين، وتدمير الاقتصاد، وتمكين “ايران”من بسط نفوذها داخل العراق.
إن مطالبة العراق اليوم بدفع ثمن الحرب هو منطق استعماري بحت، يذكّرنا بسياسات القوى العظمى التي كانت تحتل الدول ثم تفرض عليها تعويضات مالية بحجة “تكاليف الاحتلال”.
ما حدث في العراق تجاوز الاحتلال التقليدي، حيث لم تكتفِ واشنطن بإسقاط النظام، بل أوجدت فراغًا أمنيًا وسياسيًا ملأته الفوضى والدمار، وسلمت العراق فعليًا إلى إيران، عدوه التاريخي، مما أدى إلى تغيير جذري في التوازن الإقليمي.
حرب بُنيت على الأكاذيب
عندما شنت الولايات المتحدة حربها على العراق، ادعت أنها تهدف إلى القضاء على أسلحة الدمار الشامل، وهو الادعاء الذي ثبت لاحقًا أنه مجرد كذبة كبيرة، أقرّ بها المسؤولون الأمريكيون أنفسهم، بمن فيهم وزير الخارجية الأسبق كولن باول، الذي وصف مزاعم الأسلحة بأنها “وصمة عار”
في مسيرته السياسية. ولكن رغم هذا الاعتراف، لم تحاول واشنطن ولو للحظة تعويض العراق عن الخراب الذي أحدثته، بل واصلت سياستها في التعامل معه كدولة تابعة، مطالبةً إياه اليوم بدفع “فاتورة الحرب”.
إن منطق فلين يكشف العقلية الأمريكية التي ترى في الدول الأخرى مجرد أدوات لتحقيق مصالحها، بغض النظر عن الأثمان التي تدفعها الشعوب. فإذا كانت هناك فاتورة يجب أن تُدفع، فهي ليست للولايات المتحدة، بل من الولايات المتحدة للعراق، تعويضًا عن الدمار الذي أحدثته، وعن الأجيال التي دمرت حياتها بسبب هذا الغزو غير الشرعي.
استمرار الابتزاز الأمريكي
هذا التصريح لا يأتي في فراغ، بل هو جزء من سياسة أمريكية مستمرة تهدف إلى ابتزاز العراق سياسيًا واقتصاديًا. فمنذ انسحاب القوات الأمريكية عام 2011، لم تتوقف الضغوط على العراق لإبقائه ضمن الفلك الأمريكي، سواء من خلال فرض العقوبات، أو التدخل في شؤونه الداخلية، أو التلويح بسحب الدعم العسكري في مواجهة التحديات الأمنية.
لكن السؤال الأهم هنا: هل يملك العراق اليوم الإرادة السياسية للرد على مثل هذه التصريحات ومواجهتها؟ أم أن القوى الحاكمة التي وصلت إلى السلطة بدعم أمريكي وإيراني ستبقى صامتة أمام هذا الابتزاز؟
ما قاله مايكل فلين ليس مجرد تصريح عابر، بل هو تعبير عن رؤية أمريكية لا تزال ترى في العراق ساحة مفتوحة للنهب والاستغلال. وإذا كان هناك درس يجب أن يتعلمه العراقيون من هذه التصريحات، فهو أن الولايات المتحدة لم تكن يومًا شريكًا حقيقيًا، بل كانت دائمًا تبحث عن مصالحها على حساب الدم العراقي .

التعليقات معطلة.