في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالعراق، تتصاعد بين الحين والآخر دعوات لإقامة أقاليم طائفية، سواء كانت سنية أو شيعية، بحجة أن ذلك يمثل حلاً لمشكلات البلاد. إلا أن هذه الطروحات لا تعكس سوى فشل القوى السياسية في بناء خطاب وطني جامع، بل تؤكد أن الأحزاب الإسلامية السنية والشيعية أصبحت عاجزة عن إدارة البلاد ضمن إطار الدولة الواحدة، فلجأت إلى مشاريع التقسيم كبديل عن الفشل في الحكم.
قبل سنوات، كان الحديث عن إقامة “إقليم سني” يُقابل بالرفض القاطع من قبل القوى السياسية الشيعية، التي كانت ترى فيه مشروعًا مدعومًا خارجيًا لتقسيم البلاد. لكن المفارقة أن اليوم، وبعد أن تفاقمت أزمات الحكم وتلاشت فرص الإصلاح ضمن الدولة المركزية، بدأ بعض السياسيين الشيعة أنفسهم بالحديث عن إقامة “إقليم شيعي”، مما يعكس تناقضًا كبيرًا في المواقف ويفضح ازدواجية المعايير التي تحكم المشهد السياسي العراقي.
الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن مشروع الأقاليم الطائفية لا يمثل حلاً لمشكلات العراق، بل هو وصفة جاهزة لتقسيم البلاد وإدخالها في صراعات داخلية لا نهاية لها. فهذه المشاريع لا تنطلق من رؤية وطنية أو مصلحة عامة، بل هي جزء من أجندات خارجية تعمل على تفكيك العراق إلى كيانات ضعيفة وهشة، يسهل التحكم بها وتوظيفها في صراعات إقليمية ودولية.
إن وحدة العراق ليست خيارًا قابلًا للتفاوض، بل هي مصير حتمي يجب أن يدافع عنه كل عراقي، سنة وشيعة، لأن التمادي في الخطاب الطائفي والترويج لمشاريع التقسيم لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخراب والانهيار.
ان الدعوات لإقامة إقليم شيعي لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة تراكمات الفشل السياسي، والصراعات الداخلية، والمتغيرات الإقليمية والدولية. لكنها تبقى فكرة جدلية قد تواجه عقبات كبيرة، سواء من داخل البيت الشيعي نفسه أو من القوى العراقية الأخرى التي ترفض تفكيك الدولة.
الشعب العراقي الذي تحمل لعقود طويلة ويلات الحروب والصراعات يستحق قيادة وطنية مسؤولة تتبنى مشروعًا يعزز وحدة البلاد بدلًا من التفريط بها.
إن المرحلة المقبلة تفرض على العراقيين إدراك حجم الخطر الذي يهدد وطنهم، ورفض أي دعوات تستهدف تمزيق نسيجهم الاجتماعي. فالانقسامات التي تعمّقها الطبقة السياسية لا تخدم سوى من يريدون إبقاء العراق ساحة للفوضى والتبعية، بينما الحل الحقيقي يكمن في العودة إلى الخطاب الوطني الذي يعيد للعراقيين إحساسهم بالمصير المشترك، بعيدًا عن المصالح الفئوية الضيقة التي لم تجلب للعراق سوى الدمار .

