قناديل: مقاعد خالية في كليات مهجورة

2

 لطفية الدليمي

في صباح رمادي من صباحات عراقية مثقلة بالدخان ، تكتب الدكتورة (فاطمة الثابت)، أستاذة علم الاجتماع ، على صفحتها في الفيسبوك منشوراً طويلاً بعض الشيء، أشبه بمرثية مؤلمة: “لم يتقدّم للدراسة في كلية الآداب بجامعة بابل سوى 11 طالباً!!”. الخبر يمرّ هادئاً، كأنّنا كمن ينتظر إطلاق رصاصة الرحمة على هذه الكليات. كأنّنا ننتظر إطفاء الشمعة الأخيرة في غرفة غادرها الجميع.
يبدو المشهد مأساوياً يطفح بواقعة درامية مكتملة الأركان على نمط المَقاتل الإغريقية؛ لكن في التمحيص العميق سنكتشفُ أنّ هذا المشهد ليس مجرد واقعة أكاديمية. إنه صورةٌ لعصرٍ كامل يعيدُ ترتيب اهتماماته، ويعيد توزيع شغفه، ويعيد تعريف ما يستحقُّ الحياة وما يُترك ليموت.
ليس غريباً أن تكون كليات الآداب والإنسانيات أولّ من يسمع صوت اصطفاق الريح وهي تُغلق الأبواب خلفها. أبواب قديمة تُغْلَق، وأبواب جديدة تُفْتَحُ. لماذا نتناسى الأبواب الجديدة وننغمس في نوستالجيا الأبواب القديمة؟
هذه الحكاية ليست حكاية انهيار كلية انسانيات. انّها حكاية تحوّل -قاسٍ أحياناً، صامت أحياناً أخرى-؛ لكنّه تحوّلٌ يعبّر عن منطق العالم الذي نعيشه. العالم تغيّر، والطلّاب فهموا الرسالة قبل الجميع. الطلّابُ لم يعودوا يدخلون الجامعة بحثاً عن «الإهتمام المعرفي» فقط.
العالم نفسه لم يَعُدْ مستعدّاً لإيواء أحلام الأدب والأنثروبولوجيا والتاريخ كما كان يفعل قبل خمسين عاماً.
الوظائف تتقلّص، المهارات تتبدّل، والقلق الإقتصادي صار يحدّد مصائر تخصّصات بأكملها. اليوم، إذا نظرت إلى الجامعات في أمريكا أو أوروبا أو آسيا، سترى المشهد نفسه يتكرر: تراجع في الإنسانيات، تصاعد جنوني في تخصصات التقنية والعلوم والرياضيات والهندسة والبيانات. هذه ليست كارثة بل استجابة طبيعية لزمن غير طبيعي. زمن يعيش تحت وطأة الذكاء الإصطناعي، والإقتصاد الرقمي، والوظائف التي تتغيّرُ أسرع من الكتب الدراسية نفسها. أما الإنسانيات فهي مثل نهر قديم، لا يجفُّ لكنّه يغيّر مجراه.
ليس التشاؤم استجابة مناسبة. الإنسانيات لا تموت بل تخلع جلدها لتكشف عن جلد جديد بمواصفات جديدة. أقسامُ الأنثروبولوجيا التي تُغْلَقُ، وأقسام اللغة التي يتناقص فيها الطلاب، لا تعلن موت المعرفة بل نهاية شكل معين منها. الإنسانيات اليوم تترك القاعات الدراسية لتعيش في أماكن أخرى: في منصات المحتوى، في المشاريع الرقمية، في نقد التقنية، في علم اجتماع المنصّات، في فلسفة المستقبل، في دراسات الهوية والهجرة والذكاء الإصطناعي. نعم، قد تغادرُ أسوار الجامعة؛ لكنّها لا تغادرُ الحياة.
العالَمُ من جانبه – وهو الغارق في الحسّ البراغماتي – لا يقتل ما يحتاجه بل يغيّره. الإنسانيات حاجة بشرية لا يمكن محوُها لأنّها الجزءُ الذي يجعل الإنسان يتأمّلُ نفسه بدل أن يركض بدوافع الإبتكار التقني فقط. لا شيء يدعو للتأسّي على الأقسام الخالية. إنها ليست مقبرة. إنها علامة طريق تقول ببساطة: “لقد انتقل الدرس إلى مكان آخر”.
لكنّ هذا لا يجعل الظاهرة في العراق جزءاً طبيعياً من ظاهرة عالمية النطاق والتأثير. هنا، يصبح علينا أن نتوقف ونتحدّث بجدّية ومن غير مداراة: العراق ليس أمريكا، ولا بريطانيا، ولا حتى دولة نامية تتطور أكاديمياً بخطوات متّسقة. في العراق الحكاية مختلفة تماماً. الجامعة العراقية في أيامنا هذه (أكرّر القول: في أيامنا هذه حيث التعليم العالي صار وسطاً للسمسرة المالية) ليست بيئة بحث ولا بيئة حياة فكرية. هي مؤسسة حكومية تميل إلى الخمول، تُؤدَّى فيها المهامُ كما تُؤدَّى الطقوس، بلا روح بحثية، ولا تنافس، ولا مشاريع، ولا ضغط معرفي. الأستاذ الجامعي، الذي يفترَضُ أن يكون قائداً للتخصص، يتحوّل في أحيانٍ كثيرة إلى موظف يبحث عن الراحة: دوام قصير، محاضرات متكررة منذ عشر سنوات، غياب مشاريع حقيقية، انقطاع شبه كامل عن العالم، غياب تمويل، غياب حراك، غياب تحديث للمناهج، غياب مسؤولية بحثية. إنه أستاذ يذهب إلى الجامعة ليؤدي (وظيفة)، لا ليقود (رسالة). بعض الأساتذة يسعون لتغيير الوضع بكلّ ما يستطيعون لكنّ الرداءة ستردعهم وسيواجَهون بقوّة التقاليد الجمعية فينكفئون وتضمر روحهم الباحثة عن التغيير. كيف نتوقّع من أستاذ جامعي يحصل على تعيين بتوقيع من وزير أو رئيس جامعة على كتاب أمر جامعي يبدأ بالعبارة التي التهمت أعمارنا (بناءً على اعتبارات المصلحة العامة…) أن يكون عنصراً تغييرياً فاعلاً في وسط راكد محكوم ببيروقراطية فجّة؟
في جامعات العالم المتقدّم يجري الأستاذ ليل نهار لأنّه مصدر دخل للجامعة عبر البحوث والمنح والشراكات. هو محرّك لا يتوقّف لأنّ وجوده الأكاديمي وسعيه للتثبيت الأكاديمي في جامعته يتوقّف على إنتاجه.
لا مركز وظيفي ثابت إلّا بعد جهد مضنٍ، ولا أمان غير مشروط، ولا مكان للكسل، ولا تعيينات مجانية تتقنّع بضرورات المصلحة العامة. الأستاذ هناك: يكتب، يبحث، يدرّب، يقود فِرَقاً، يعمل مع الصناعة، ينشر باستمرار، يُحاسَب، ينافَس، وتراقبه الجامعة كما يراقب هو نفسه أداءه. أما في الجامعة العراقية فالوضع مختلف تماماً: الدوام مريح، سقف الجهد منخفض، والجهد الإختياري في الإنجاز يصبح بطولة وتميّزاً بدلاً من اعتباره أصل العمل في الوظيفة الجامعية. اذا كانت الجامعة نفسها لا تؤمن بالحياة العلمية الجادة والحقيقية؛ فكيف يطالب أحدٌ الطلّاب بأن يؤمنوا بها؟
هل هناك أمل في الجامعة؟ نعم؛ ولكنه لا يأتي من الأقسام بل من الناس الذين يعيدون إشعالها. الأقسام لا تعيش بالطلّاب فقط. تعيش بمن يوقظها من سباتها. إن كل ما تحتاجه الإنسانيات في العراق -وكلّ الجامعة- هو جيل جديد من الأساتذة يعرف أن العلم ليس وظيفة بل حركة، وأنّ بمستطاعه خلق الثروة بل أن يظلّ طفيلياً يعتاشُ على أموال الحكومة. هذا أولاً، وثانياً علينا الإقتناعُ بأنّ تغييراً شاملاً وبنيوياً سيطالُ شكل التعليم الجامعي في سنوات قليلة قادمة، وسيكون عنوانه: علّمْ نفسك بنفسك. التغيير سيشملُ كلّ الحقول المعرفية، والجامعة التقليدية ستمضي في طريق الإنحسار. هذه هي الصورة المتوقّعة التي تنبئنا بها الثورة التقنية الحالية.
الأقسام الجامعية لا تنطفئ. نحن الذين نتعب من محاولة نفخ النار في جذوة هامدة. إغلاق قسم أنثروبولوجيا أو كلية آداب ليس نهاية العالم.
هو مجرد لافتة تقول: “العالم تغيّر، والجامعة العراقية لم تتغير بعد”. ما نحتاجه الآن ليس الرثاء بل الشجاعة: شجاعة أن نقول إنّ الجامعة العراقية يجب أن تستيقظ، وشجاعة أن نعيد الإعتبار للأستاذ الذي يعمل لا الذي يتباهى بالسكينة ويرتضي المكوث في الملاذات الوظيفية الآمنة، وشجاعة أن نفهم أنّ الإنسانيات لا تموت بل تنتظر من ينفض الغبار عن قلبها ويعيدها إلى قلب الحراك العالمي.
فكرة أخيرة بشأن تسليع المعرفة التي نريدها أحياناً قناعاً للهروب من مواجهة حتمية مع تغيرات بنيوية في التعليم الجامعي. الأفضل أن نتخلّى عن اعتبار (الإنسان) موضوعاً مركزياً للإنسانيات في مقابل جعل (المادة) موضوعاً للتقنيات والهندسة والعلوم، وأنّ الإنسانيات تحافظ على الموازنة القلقة بين الدراستيْن. الإنسان هو مركز كلّ الدراسات. لم يعد مفهوم تسليع المعرفة تهمة بل تحوّل إلى توصيف دقيق لعصر تتقاطع فيه الأفكار مع حاجات السوق والإبتكار. تحويل المعرفة إلى (سلعة) لا ينتقص من قيمتها بل يدفعها إلى التطوّر، ويُرغِمُ صاحبها على إعادة النظر في أدواته وخطابه. الخطر الحقيقي ليس في تسليع المعرفة بل في الركود الفكري الذي يصيب من يرفض الإعتراف بأنّ العالم تغيّر، وأنّ الأفكار التي لا تتحرك تموت.

التعليقات معطلة.