كتب
فاطمة أبو ناجي
إظهارالملخص
تعيش الهوية الوطنية في العراق مأزقاً مركّباً، إذ لم تعد رابطة الانتماء إلى الأرض والمصير المشترك قادرة على الصمود أمام الولاءات الأيديولوجية التي تمزّق النسيج الوطني. هذه الإشكالية يتتبعها عبد الجبار الرفاعي في كتابه الجديد “الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا”، الصادر حديثاً عن دار الرافدين، بوصفها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سياسة، إذ يرى أن اختلال ترتيب الولاءات؛ حين تتقدّم الطائفة أو العقيدة على الوطن، هو ما أنتج هشاشة الدولة الحديثة، وأفقد المواطن قدرته على تعريف ذاته في فضاء عام يتّسع للجميع.
يستعيد الرفاعي مفهوم الهوية الوطنية بمعناه المدني الحديث، فيعرّفها بأنها كيان جامع يقوم على الذاكرة المشتركة، والثقافة المتراكمة، والرموز التي توحّد أبناء البلد؛ وهي اللغة والأدب والفنون والمناسبات والأمكنة والرموز المؤسسة، وكل ما يعيد وصل الحاضر بجذور التاريخ. وهي هوية تتسع لمختلف المكونات الدينية والقومية والمذهبية، ولا تُبنى على الإلغاء أو الاصطفاء، وإنما على المواطنة الدستورية التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتُخضع الجميع للقانون وتكفل العدالة في الحقوق والفرص، على نحو ما صاغه جون رولز في مفهوم “العدالة بإنصاف”.
الهوية الوطنية هوية جامعة لا تقبل الانغلاق ولا احتكار الوطن
في مقابل ذلك، يضع الرفاعي الهوية الأيديولوجية العقائدية تحت مجهر النقد، بوصفها هوية مغلقة تُقصي الآخر وتستبدل الوطن بالجماعة. فحين يتحوّل الدين أو القومية أو المذهب إلى أيديولوجيا، يصبح الانتماء السياسي انعكاساً للعقيدة، لا للأرض أو المصلحة المشتركة. هذه الهوية، كما يرى الرفاعي، تُنتج وعياً زائفاً بالانتماء، وتشيّد ولاءات موازية للدولة، فيتراجع مفهوم المواطنة أمام العصبية، ويغدو الوطن مجرد مساحة تُستغل لترسيخ سلطة الجماعة.
ويعود الكتاب إلى الجذور التاريخية لهذه الأزمة، فيحلّل الدور الرمزي الذي أدّته الخلافة الإسلامية في تشكيل الوعي السياسي، إذ لم تكن مجرد نظام حكم، بل منظومة رمزية استقرت في اللاشعور الجمعي للمسلمين، فغذّت الخيال السياسي بوهم وحدة تتجاوز حدود الجغرافيا. بعد سقوط الدولة العثمانية، تحوّل فقدان الخلافة إلى جرح نرجسي عميق، أنجب حركات الإسلام السياسي التي جعلت الحكم ركناً من أركان الدين، كما فعل حسن البنّا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. يرى الرفاعي أن هذا الانزياح من الدين الروحي إلى الدين المؤدلج كان أحد أخطر تحولات الوعي السياسي.
ويتوقف الكتاب عند اضطراب سلّم الانتماءات في التجارب الحديثة، من الشيوعية والقومية إلى الإسلام السياسي، حيث كان الولاء للأيديولوجيا يتقدم على الولاء للوطن. فالمنتمي إلى الحزب الشيوعي كان يوالِي الاتحاد السوفييتي أكثر من بلده، والقومي العربي كان يرى في العروبة السياسية وطناً بديلاً، والإسلامي يجد في الأمة العقائدية بديلاً عن الدولة الوطنية. تلك الاختلالات عمّقت الانقسام وأضعفت فكرة الدولة بوصفها كياناً سياسياً جامعاً للمواطنين جميعاً.
وفي مواجهة هذا الارتباك، يدعو الرفاعي إلى إعادة ترتيب الوعي الوطني وفق تسلسل قيمي واضح: العراقي أولاً، ثم العربي أو الكردي أو التركماني، ثم المسلم أو المسيحي، ثم الانتماء المذهبي. بهذا التدرّج وحده يمكن استعادة الوطن بوصفه الإطار الذي يحتوي التنوّع ويحميه، بعيداً عن كونه ميداناً لصراع الهويات الفرعية.

