هيام عباس: “أن تولد فلسطينيا يعني أن تولد في قلب السياسة”

3

 

 

الممثلة الجريئة المتعددة الشخصيات دخلت السينما العالمية مع مخرجين كبار

 

هوفيك حبشيان

 

 

 

“ميرال” أو القضية الفلسطينية كما يراها المخرج جوليان شنابل (ملف الفيلم)

 

ملخص

مذ خرجت من الناصرة، لم يرسم خط حياة هيام عباس التي فازت قبل أيام بجائزة “الهرم الذهبي” التكريمية عن مجمل مسيرتها في مهرجان القاهرة الأخير، في حيز واحد، بل تناثر بين لغات وثقافات وبلدان، من دون أن يبتعد من فلسطين التي تسكنها.

 

لم تكن انطلاقة هيام عباس كنجمة واثقة من مكانها تحت الشمس، بل كفنانة تبحث عن مساحة لتكون نفسها، حرة وجريئة ترفض أن يحدها مجتمع اعتاد أن يفرض على النساء أدواراً معينة. بين السينما العربية والغربية، بين مدن احتكت فيها ومهرجانات ردت لها الاعتبار، صارت عباس واحدة من أبرز الممثلات العربيات اللواتي استطعن حجز موقع دولي لهن يقدره الجميع.

 

thumbnail_2.jpg

هيام عباس في فيلم “باب الشمس” (ملف الفيلم)

في “ماستركلاس” قدمته ضمن تكريمها في القاهرة، استرجعت وهي متأثرة على شفير البكاء، مشاركتها في”باب الشمس” للمخرج المصري يسري نصر الله، المأخوذ عن رواية الياس خوري، قائلة إن الفيلم الذي يتناول في جزئه الأول نكبة 1948، أعاد إحياء ذكرى جدها الذي فقد اتزانه بعد ضياع منزله وأرضه. “هذا الفيلم كان واجباً إنسانياً وفنياً. عندما أديت دوري فيه شعرت بأنني أكرم ذكرى جدي الذي فقد ابنه وبيته. كان الفيلم عملاً نابعاً من الوفاء”.

 

بدأت هيام عباس رحلتها السينمائية مع المخرج ميشال خليفي في منتصف الثمانينيات، آتية من قرية بعيدة من الوسط الفني. كانت تعمل آنذاك في مسرح الحكواتي. وبعدما لاحظت إحباط خليفي من ضعف الوعي السينمائي وهو يصور “عرس الجليل”، انضمت إليه كمساعدة إنتاج قبل أن يمنحها أول أدوارها، وهو دور قصير لامرأة مطلقة. تلك التجربة كشفت لها عن علاقتها الحقيقية بالكاميرا وعرفتها إلى طاقتها التمثيلية التي بدأت تشعر بها يوم اعتلت خشبة المسرح أيام المدرسة.

 

ممثلة بوهيمية

 

الشابة التونسية في فيلم “ساتان روج” (ملف الفيلم)

احتاجت عباس إلى أعوام طويلة قبل أن تخرج من إطارها المحلي إلى أفق دولي. لكن بقيت جذورها النقطة المشتركة بين كل مراحل سيرتها، حتى حين أصبحت ممثلة “بوهيمية” تقف أمام كاميرا أسماء لامعة مثل جوليان شنابل وجيم جارموش وستيفن سبيلبرغ وريدلي سكوت (ولو أحياناً في أدوار قصيرة)، أو حين دخلت ملايين البيوت عبر مسلسل “خلافة” الذي منحها انتشاراً دولياً نادراً ما حظيت به ممثلة عربية. لكن ما يشغلها أكثر من الشهرة هو سؤال الحرية، حرية المرأة وحرية الفنان، وحرية أن تصنع خياراتها بنفسها، مما أكدته في القاهرة عندما قالت إن انتقالها إلى أوروبا لم يكن بحثاً عن التمثيل وحسب، بل رغبة في فضاء أرحب يمنحها حرية أكبر كامرأة عربية تطمح إلى بناء ذاتها بعيداً من الضغوط السياسية والاجتماعية. وقالت مازحة إنها في مرحلة ما خطرت لها فكرة افتتاح سيرك في لندن، قبل أن تدرك لاحقاً أن هذا المشروع لم يكن سوى صورة متخيلة للحرية التي كانت تطمح إليها وتبحث عنها.

 

هذه الحرية التي ربتها عليها والدتها، نقلتها بدورها إلى ابنتيها. فهي، كما تصرح، حاربت من أجل حريتها كامرأة وممثلة، ولذلك يستحيل أن تفرض على ابنتيها حدوداً لا تقبلها لنفسها. من هنا جاء فيلم “باي باي طبريا” الذي أنجزته ابنتها لينا سوالم قبل عامين وظهرت فيه كشخصية محورية، بوصفه امتداداً طبيعياً لهذه التربية. وعلى رغم تردد عباس في البداية وخوفها من النبش في الذاكرة الشخصية، استسلمت لما كانت لينا تنسجه، فيلم تتقاطع فيه قصة العائلة مع ذاكرة الشعب الفلسطيني. حين فهمت ذلك، لم تعد تستطيع الانسحاب. “أصبحتُ جزءاً من الحبكة”، تقول، كأن السينما تنقب في ما هو مخفي.

 

في مسلسل أجنبي أطلقها عالمياً (ملف الفيلم)

وعلى رغم وجودها في الغرب لفترة طويلة، لا تبدو عباس منقطعة عن هويتها المزدوجة الفلسطينية والعربية التي تقول إنه يصعب عليها تجاوزها، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن يتحول هذا الانتماء إلى وصاية أو عبء. فهي الفنانة التي صارت وجهاً دولياً من دون أن تتخلى عن فلسطين، ومن دون أن تسمح لفلسطين بأن تكون قيداً عليها. تقول بوضوح “أفتخر بحملي للإرث الفلسطيني، لكنني أريد أن أختار متى وكيف أُعبر عنه”. فعباس ترفض أن تختزل هويتها في إطار ضيق، أو أن تفرض عليها أدوار سياسية جاهزة. السياسة بالنسبة إليها ليست تصريحات، بل تلك التي تسري بايقاع يومي في حياة كل فلسطيني منذ اللحظة الأولى لولادته. “أن تولد فلسطينياً يعني أن تولد في قلب السياسة”، تقول، من دون أن يكون ذلك شعاراً بقدر ما هو وصف لحقيقة ملازمة لوجودها.

 

أدوار متنوعة

 

من فيلم “غزة مونامور” (ملف الفيلم)

 

هذا الوعي بالهوية لم يمنع مسيرتها من أن تتوسع، فمنذ دورها الجريء في “ساتان روج” (2002)، عن امرأة تقليدية من تونس تكتشف جانباً جديداً من حياتها حين تزور أحد الملاهي الليلية، انطلقت نحو أدوار متنوعة مكنتها من اكتشاف ذاتها. ووضعت أمام خيار أن تمنح نفسها فرصة اختبار ما تؤمن به. وربما لهذا السبب أصبحت جزءاً من مشاريع دولية مهمة، من “خلافة” إلى تجارب عربية مثل “غزة مونامور” للأخوين طرزان وعرب ناصر الذي تصفه بأنه من أجمل الأعمال التي شاركت فيها على رغم عدم حصوله على التقدير الذي يستحق. هذه الخيبة مرتبطة، في نظرها، بمشكلة التوزيع التي تعانيها السينما العربية، الرقابة من جهة وغياب الاهتمام من جهة أخرى. ومع ذلك، يمنحها العصر الرقمي بعض الطمأنينة، إذ بات الفيلم قادراً على الحياة بعد العرض السينمائي التقليدي وربما إعادة اكتشافه بعد أعوام.

 

من فيلم “باي باي طبريا” (ملف الفيلم)

 

وعلى رغم الاعتراف الدولي، تصر عباس على البقاء كما هي. “تجربتي أصبحت أوسع، لكن داخلي لم يتغير”، تقول بابتسامة بسيطة قبل ان تعلن أنها تتعلم من كل عمل جديد ومن كل لقاء مع سينمائي. وترى أن الفن ليس نظريات وحسب، إنما وسيلة للتعبير تتيح نقل صوت الشعوب التي يتم إسكاتها.

 

اقرأ المزيد

 

“القاهرة السينمائي” يعرض 119 فيلما ويكرم هيام عباس

 

الممثلة الفلسطينية هيام عباس تدعو إلى “وقف الحرب” في غزة

بعد تكريمها في القاهرة، تشارك عباس حالياً في مهرجان الدوحة السينمائي بدور حنان في “فلسطين 36” (فيلم سيعرض أيضاً في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الشهر المقبل)، للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر عن تصاعد الثورة الفلسطينية عام 1936 ضد الاستعمار البريطاني مع تزايد وفود اللاجئين اليهود إلى فلسطين وصولاً إلى مواجهة حاسمة ستغير مستقبل المنطقة. “هذا فيلم عن العودة للجذور، لما جرى تجاهله أو نسيانه عمداً”، تعلق عباس، قبل أن تعترف بأنها لا تعرف إن كانت ستعود يوماً لفلسطين إذا أصبح لأهلها دولة مستقلة. فالمنفى الذي اختارته صار مع الوقت بيتاً يضرب جذوره في العالم الذي بنته منذ نحو أربعة عقود. وهذا كله يجعلنا نستنتج أن هيام عباس اليوم في مرحلة نضج فني وإنساني كبير حافلة بالمشاريع، إذ مثلت أخيراً في أفلام لبرهان قرباني وليلى بوزيد ومالك بن إسماعيل ودانيال عربيد، وتعمل على مشروع مسرحي جديد، وتواصل خوض تجارب متنوعة لا تحدها هوية ولا لغة. ومع ذلك تبقى تلك الفتاة السمراء التي خرجت من الناصرة بحثاً عن الحرية.

التعليقات معطلة.