الجزء الثامن والثلاثون:
إيران ربحت الطائفية وخسرت احترام الشعوب
في الانتخابات العراقية الأخيرة، كرّرت إيران سيناريوها المألوف: الفوز في التفاصيل الطائفية وضمان مكاسب لحلفائها على الأرض، لكنها بهذه السياسة نفسها خسرت شيئًا أكبر وأعمق. لم تعد مجرد الخسارة على مستوى الانتخابات أو البرلمان، بل هي خسارة احترام شعوب المنطقة كلها، التي بدأت ترى في تدخلاتها تهديدًا لاستقلالها الوطني، لا شريكًا يحمي مصالحها.
إيران بارعة في إدارة الوكلاء وتثبيت النفوذ الجزئي، لكنها فشلت في فهم أن شعب العراق، مثل شعوب المنطقة الأخرى، لم يعد يقبل أن تُحكم خياراته من الخارج. كل خطوة طائفية على الأرض تعمّق الهوة بينها وبين احترام الجماهير، وتكشف أن الربح على المدى القصير لا يعادل فقدان الشرعية على المدى الطويل.
الطائفية… السلاح الذي قتل صاحبه
منذ 2003، اعتمدت إيران على صناعة كتلة طائفية جامدة تمنحها مجالاً حيوياً داخل القرار العراقي. لكنّ هذه الكتلة اليوم لم تعد تمثل هوية الناس، بل تمثل فقط عجز النخب التي ربطت وجودها السياسي بالخارج. النتيجة:
إيران ربحت مقاعد.
لكنها خسرت المزاج العام.
عززت حضور وكلائها.
لكنها أسقطت ما تبقى من صورتها داخل المجتمع العراقي.
فالانتخابات الأخيرة أفرزت لأول مرة انقساماً وطنياً واضحاً، لا طائفياً. وهذه هي النقطة الأخطر على مشروع إيران: عراقٌ ينضج سياسياً ويخرج من قوالب 2003، بينما إيران ما زالت تصرّ على استخدام الأدوات القديمة في زمن تغيّر كل شيء فيه.
الصراع الأميركي–الإيراني أمام اختبار جديد
في ظل هذا التحول، تبدو واشنطن مقبلة على مرحلة مختلفة بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض. ترامب ليس أوباما ولا بايدن؛ لا يؤمن بإدارة الدبلوماسية الطويلة، ولا يسمح بتعاظم النفوذ الإيراني إذا تَعارض مع مصالحه أو مع تحالفاته في المنطقة.
إيران اليوم تواجه خطراً مضاعفاً:
داخلياً: أزمة شرعية، اقتصاد خانق، جيل غاضب.
خارجياً: عراق يتمرد على وصايتها، ومنطقة تعيد رسم تحالفاتها بعيداً عنها.
أميركياً: إدارة محتملة ستتعامل مع نفوذها كتهديد مباشر لا كملف تفاوض.
ومع ذلك، ما تزال طهران تتصرف وكأن العالم لم يتغير، وكأن العراق سيبقى دائماً ورقة طائفية سهلة الاستخدام.
إيران تكسب التفاصيل… وتخسر الاستراتيجية
هذا هو لبّ المشهد كله. إيران بارعة في إدارة الوكلاء، وفي هندسة البرلمان، وفي التأثير على القرار التنفيذي. لكنها فشلت في أن تفهم أن العراق ليس مجموعة فصائل، بل شعبٌ كامل يتغير .الخطأ الاستراتيجي القاتل هو أن طهران ما تزال تقيس نجاحها بعدد المقاعد، بينما واشنطن تقيس النفوذ بمدى قبول الشعوب، والسعودية تقيس المستقبل بحجم المشاريع، والعراق يقيس السيادة بمدى قدرته على الانفصال عن صيغ الماضي.
اليوم، يمكن القول بثقة: إيران ربحت الطائفية… لكنها خسرت العراق. وهذه المعادلة لن تتغير، بل ستزداد وضوحاً مع أي مواجهة أميركية–إيرانية قادمة.
لحظة الحقيقة تقترب
الشرق الأوسط يدخل طوراً جديداً؛ الطائفية تتراجع، الوطنية العراقية تتقدم، والولايات المتحدة تستعيد حساباتها، بينما إيران تعيش إنكاراً سياسياً لا ينتهي. إيران ربحت التفاصيل الطائفية، لكنها خسرت احترام الشعب العراقي، ومعهه تخسر نفوذها الاستراتيجي تدريجيًا. إذا استمرت إيران في استخدام أدوات انتهى عمرها، فإن خسارتها المقبلة لن تكون في المقاعد فقط… بل في النظام السياسي نفسه وموضعها الإقليمي ككل.
النتيجة النهائية: إيران ربحت الطائفية، وخسرت احترام الشعوب، وخسارتها المقبلة ستكون أشمل وأكثر تأثيراً على مستقبل العراق والمنطقة.
يتبع غدا الجزء التاسع والثلاثون : “توترات إسرائيلية–إيرانية وفوضى محتملة في العراق”

