سلسلة الشرق الأوسط… ماذا وإلى أين؟

19

الجزء التاسع والأربعون:

نهاية “مرحلة السيطرة الناعمة”… وبداية عصر الترتيبات الخشنة

هناك لحظات في التاريخ تتحرك فيها الجغرافيا أسرع من السياسة، وتتغير فيها موازين القوى أسرع من قدرة اللاعبين على استيعاب التحولات. الشرق الأوسط، اليوم، يقف في قلب تلك اللحظة.
فالضربة القاصمة التي تعرّض لها المشروع النووي الإيراني قبل أشهر، وانهيار قدرة الميليشيات على الحركة منذ منتصف العام، وعودة التمدد الأميركي في العراق، وتفكك النظام الإقليمي الذي تأسس منذ 1979 ، لم تعد مجرد مؤشرات… بل أصبحت ملامح مرحلة جديدة.
مرحلة يمكن تسميتها بـ: “عصر الترتيبات الخشنة” فبعد أربعة عقود من “السيطرة الناعمة” عبر الوكلاء والأزمات المحسوبة تبين مايلي.

أولاً: ما الذي تغيّر؟ ولماذا الآن تحديداً؟
1) لأن إيران فقدت وظيفتها الأساسية
منذ 1979 وحتى 2020 لعبت إيران دور “العامل المزعج المفيد”: عدو يمكن تسويقه، وتهديد يمكن التحكم به، وبيئة يمكن إدارتها عبر العقوبات والاتفاقيات.
لكن خلال السنوات الأخيرة أصبح النظام الإيراني:
عاجزاً عن حماية نفوذه
مفلساً مالياً
مكشوفاً استخبارياً
مفككاً داخلياً
وغير قادر على لعب أي دور وظيفي يخدم الغرب كما كان يحدث سابقاً
أي أن “اللاعب المزعج” أصبح “عبئاً مكلفاً”.
2) لأن واشنطن لم تعد مهتمة باستدامة معادلة 1979
المعادلة القديمة كانت: إيران قوية + عرب منقسمون + إسرائيل في حالة دفاعية.
أما اليوم فالمعادلة المطلوبة أميركياً: إيران ضعيفة + محور عربي متماسك أمنياً + إسرائيل هجومية لكن مضبوطة + العراق منطقة نفوذ أميركي مباشر.
3) لأن العالم يتهيأ لمرحلة ما بعد الحرب الكبرى المحتملة
واشنطن لا تريد أن تدخل حرباً عالمية أو صداماً واسعاً مع الصين أو روسيا بينما الشرق الأوسط مفتوح على ثغرات. وبالتالي فهي تعمل على: إغلاق الجبهات تحييد الميليشيات تقليص نفوذ إيران تثبيت خرائط جديدة قبل الانتقال إلى مسرح الصراع الأكبر عالمياً.

ثانياً: العراق… نواة التغيير الإقليمي
العراق لم يعد مجرد ساحة اختبار، بل تحول إلى مركز العمليات السياسية للمشروع الأميركي في المنطقة. ففي غضون أشهر قليلة:
انتهى عصر الميليشيات كقوة ضاربة
عاد النفوذ الأميركي دون منافسين
أُغلقت أذرع التمويل الإيراني
توقفت الهجمات على القوات الأميركية منذ منتصف يوليو
أصبح تشكيل الحكومة العراقية جزءاً من هندسة النفوذ لا نتيجة فوضاه
واشنطن لا تريد إسقاط النظام الإيراني الآن… لكنها تريد إسقاط نفوذ إيران في العراق، وهذا ما يحدث فعلاً.

ثالثاً: فنزويلا… الوجه البعيد للمعركة
إعلان واشنطن قبل ايام أن فنزويلا أصبحت “موطئ قدم للحرس الثوري وحزب الله” لم يكن خبراً عابراً. كان رسالة مكشوفة:
المعركة لم تعد شرق أوسطية فقط… بل أصبحت عابرة للقارات.
فالفصائل التي تفقد الأرض في العراق وسوريا تبحث عن ملاذات بعيدة. وهذا يعطي واشنطن الذريعة لتوسيع عملياتها ضد إيران في نصف الكرة الغربي أيضاً.
وعندما يلوّح ترامب اليوم بإسقاط نظام كاراكاس، فإنه يرسل الرسالة إلى طهران وليس لفنزويلا: لقد خرجتم من حدودكم… والرد سيكون خارج حدودكم أيضاً.

رابعاً: إسرائيل… من الدفاع إلى المبادرة
في العقد الماضي كانت إسرائيل تتعامل مع إيران بأدوات ردع محدودة. اليوم الصورة معكوسة:
ضربات في قلب طهران
عمليات اغتيال دقيقة
حرب استخبارية مفتوحة
تنسيق أميركي – إسرائيلي بلا سقف .
لم تعد إسرائيل تنتظر الخطر… بل تصنع المشهد بنفسها.

خامساً: النظام الإقليمي إلى أين؟
إذا استمرت الأمور على هذا المسار، فإن الشرق الأوسط يتجه إلى واحدة من ثلاث نهايات:
1) نهاية النفوذ الإيراني خارج حدوده
دون إسقاط النظام نفسه، بل حرمانه من أدوات القوة التي جعلته لاعباً محورياً. ويبقى سقوطة مرهون بارادة الشعب الايراني مع تهيئة العوامل المساعدة لذلك .
2) ولادة محور أمني عربي جديد
يقوده الخليج + مصر + الأردن + العراق، بحماية أميركية مباشرة.
3) إعادة رسم الخرائط السياسية
وليس الخرائط الجغرافية. أي: تغيير موازين الحكم هندسة أنظمة جديدة تقليص دور الوكلاء وتعزيز الدولة على حساب اللادولة .
لقد أصبحت المنطقة في مرحلة “ما قبل الحسم”. مرحلة تشبه وقوف السفن على حافة العاصفة الكبرى… لحظة السكون التي تسبق الانفجار.
واشنطن اليوم لا تريد إسقاط النظام الإيراني، لكنها تسحب منه الأوراق ورقةً ورقة، ذراعاً ذراعاً، حليفاً حليفاً.
فما يجري ليس إسقاطاً… وليس تفاوضاً… بل نزعاً منظماً لمصادر القوة وصولاً إلى لحظة يصبح فيها “الرأس بلا جسد”… وحينها يسقط وحده، بلا حرب، بلا فوضى، وبلا تكلفة.

يتبع غدا الجزء الخمسون: “الشرق الأوسط أمام لحظة الانفجار البطيء… والمرحلة التي لن ينجو منها إلا من فهم قواعد اللعبة الجديدة”

التعليقات معطلة.