4 أفلام عربية تحقق لحظة فارقة في ترشيحات “الأوسكار”

3

 

 

ظاهرة مهمة في تاريخ السينما وتعكس تطوراً ملاحظاً في جودة الإنتاج والقدرة على التنافس دولياً

 

هوفيك حبشيان

 

 

 

صوت الفتاة الفلسطينية هند رجب يصل إلى ترشيحات الأوسكار (ملف الفيلم)

 

ملخص

تأتي الأفلام العربية الأربعة على النحو التالي: “صوت هند رجب” لكوثر بن هنية (تونس)، و”فلسطين 36″ لآن ماري جاسر (فلسطين)، و”اللي باقي منك” لشيرين دعيبس (الأردن)، و”مملكة القصب” لحسن هادي، وهذا أول فيلم عراقي يصل إلى هذا الترشيح، بعد أن نال في منتصف العام الحالي جائزة “الكاميرا الذهبية” للعمل الأول في مهرجان كان.

 

للمرة الأولى في تاريخ السينما العربية، نجحت أربعة أفلام عربية في الوصول إلى قائمة ترشيحات “الأوسكار” في فئة أفضل فيلم ناطق بلغة غير إنجليزية، أو كما يعرف بـ”أفضل فيلم عالمي” بصورة خاطئة.

 

جاء هذا الإعلان عندما كشفت أكاديمية فنون الصورة المتحركة وعلومها عن أسماء الأفلام الـ15 المختارة، من بين 86 فيلماً من أنحاء العالم كافة بلغت المرحلة نصف النهائية. وسيتقلص هذا العدد إلى خمسة في ثالث أسبوع من الشهر المقبل، عند إعلان القائمة النهائية، التي ستتنافس فعلياً على الجائزة الشهيرة.

 

وبالنظر إلى احتدام المنافسة، فإن استمرار الأفلام العربية بالعدد نفسه في المرحلة الأخيرة قبل التصويت يبدو تحدياً مستحيلاً، خصوصاً أمام أعمال ذات مستوى رفيع، مثل “قيمة عاطفية” للنروجي يواكيم ترير، و”صراط” للإسباني الفرنسي أوليفر لاشيه، و”حادث بسيط” للإيراني جعفر بناهي، و”عميل سري” للبرازيلي كليبير مندونسا فيلو، وأربعة أفلام نالت جوائز مرموقة في مهرجان كان السينمائي، على رأسها فيلم بناهي الذي توج بـ”السعفة الذهبية”.

 

وتأتي الأفلام العربية الأربعة على النحو التالي: “صوت هند رجب” لكوثر بن هنية (تونس)، و”فلسطين 36″ لآن ماري جاسر (فلسطين)، و”اللي باقي منك” لشيرين دعيبس (الأردن)، و”مملكة القصب” لحسن هادي، وهذا أول فيلم عراقي يصل إلى هذا الترشيح، بعد أن نال في منتصف العام الحالي جائزة “الكاميرا الذهبية” للعمل الأول في مهرجان كان.

 

لحظة فارقة

 

من فيلم “اللي باقي منك” لشيرين دعيبس (ملف الفيلم)

 

 

هل هذا الإنجاز العربي، رغم صعوبة المنافسة مع أفلام كبيرة، يمثل لحظة فارقة في تاريخ السينما العربية ويعكس تطوراً ملاحظاً في جودة الإنتاج والقدرة على التنافس دولياً؟

 

اللافت أن ثلاثة من الأعمال الأربعة تتناول فلسطين، اثنان منهما يستعيدان الماضي في مقاربة تاريخية للأحداث، بينما يروي الثالث أحداثاً وقعت قبل أشهر قليلة. ولا يخفى على أحد أن المأساة الجارية في غزة، والصدى العالمي الواسع الذي خلفته، كان له دور بارز في إيصال هذه الأفلام إلى أبواب الأكاديمية، بعدما كان الوصول إلى هذه المرحلة أمراً صعباً في الماضي.

 

اليوم، بعد مرور 20 عاماً بالتمام على ترشيح أول فيلم فلسطيني لـ”الأوسكار” (“الجنة الآن” لهاني أبو أسعد)، يبدو أن الأفلام الفلسطينية أو تلك التي تتناول فلسطين أصبحت مرحباً بها في هوليوود.

 

أما سؤال “بأي ثمن؟”، فهذه قضية أخرى تستحق النقاش، ويثير تساؤلات مهمة حول طبيعة الترشيحات، منها: هل كان الالتفات إلى هذه الأفلام ليحدث لولا الاهتمام بالمسألة الفلسطينية بعد “طوفان الأقصى”؟ وهل تمتلك هذه الأعمال قيمة فنية ستجعلها ماثلة في الذاكرة عقدين أو أكثر؟ كل هذا إلى جانب سؤال جوهري عن ضرورة التمييز بين الأعمال التي تركب موجة الأحداث وتستغلها، وتلك التي تنم عن هم حقيقي وفني أصيل.

 

عموماً، قبل طرقها باب “الأوسكار”، عرضت هذه الأفلام الأربعة في كبرى التظاهرات السينمائية مثل كان والبندقية وتورونتو، قبل أن تنتقل إلى المهرجانات العربية من القاهرة إلى قرطاج، مروراً بالبحر الأحمر ومراكش والدوحة. أما عرضها في الصالات التجارية، ليتمكن الجمهور العربي من الاطلاع عليها، فليس دائماً متاحاً، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها سينما المؤلف العربية للوصول إلى المشاهدين.

 

اللافت أن بعض هذه الأعمال بدأت عروضها في الغرب، مثل “صوت هند رجب”، الذي جذب بعد نحو ثلاثة أسابيع من عرضه في فرنسا ما يقارب 150 ألف مشاهد.

 

مأساة إنسانية

 

4.jpeg

من “مملكة القصب” لحسن هادي (ملف الفيلم)

 

 

يركز “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية على مأساة إنسانية محددة وقعت خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، مستعيداً اللحظات الأخيرة للطفلة هند (ست سنوات)، التي علقت داخل سيارة استهدفت أثناء محاولتها الفرار مع أفراد من عائلتها.

 

ينطلق العمل من تسجيلات صوتية حقيقية لمكالمة هاتفية جرت بين الطفلة وموظف مركز الاتصالات التابع للهلال الأحمر، إذ كانت تطلب النجدة وهي محاصرة بخطر الموت. يبني الفيلم عالمه الدرامي داخل هذا المركز، متابعاً محاولات العاملين فيه للتعامل مع الحالة وسط قيود إدارية وأمنية صارمة، وخوف دائم على حياة المسعفين.

 

ومن خلال هذا الإطار المحدود، نجد أنفسنا أمام صورة عن العجز الإنساني في مواجهة آلة الحرب، وعن التوتر النفسي الذي يعانيه من يجد نفسه شاهداً على المأساة من دون قدرة على التدخل المباشر. يعتمد العمل على مزج التوثيق بالتخييل، إذ تستخدم التسجيلات الصوتية كأساس، بينما تستكمل بصور ومشاهد تمثيلية.

 

لكن ثمة إشكال يتعلق بآليات التأثير التي يعتمدها الفيلم، إذ يراهن بصورة كبيرة على ثقل الواقعة نفسها والمعرفة المسبقة للمشاهد بالمأساة، أكثر مما يبني دراما متدرجة تولد الانفعال من داخل العمل السينمائي، وهذا ما يضعف الأثر الفني ويجعل التعاطف أقرب إلى استجابة أخلاقية منه إلى تجربة سينمائية مكتملة. على رغم هذا، يظل الفيلم الأوفر حظاً لبلوغ نهائيات “الأوسكار”، وهو ما بدا واضحاً منذ عرضه في مهرجان البندقية الأخير، إذ نال “الأسد الفضي” واستقبل بترحيب قل نظيره، وهذا ما يحجز له مكاناً مؤكداً بين الأفلام الخمسة، خصوصاً وأنه مرشح أيضاً لجائزة الـ”غولدن غلوب”.

 

يختلف “فلسطين 36” للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر جذرياً عن “صوت هند رجب”، فهو يعود بنا للينبوع التاريخي، كنوع من رد على من يظن أن كل شيء بدأ في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 مع عملية “طوفان الأقصى”.

 

ومن المهم الإشارة إلى أن الأفلام الثلاثة هذه تتوجه إلى جمهور غربي غالباً، لا يعرف كثيراً عن تفاصيل الصراع العربي – الإسرائيلي ونشأته، لذلك من الطبيعي ألا يروي عطش المتابع العربي الذي واكب هذه الأحداث منذ زمن… حتى التخمة!

 

حلم أوسع

 

من “فلسطين 36” لآن ماري جاسر (ملف الفيلم)

 

 

كما يشير العنوان، تنطلق أحداث الفيلم عام 1936، في فترة غليان سياسي واجتماعي متصاعد. يجد يوسف، الشاب المرتبط بقريته، نفسه ممزقاً بين جذوره الريفية وحلم أفق أوسع في القدس.

 

ومع تسارع الأحداث، تتكثف التوترات نتيجة تزايد الهجرة اليهودية القادمة من أوروبا، في وقت تتوحد فيه القرى والمدن الفلسطينية في انتفاضة واسعة ضد الاستعمار البريطاني. تتجه الوقائع نحو صدام حتمي، يشكل لحظة فاصلة في تاريخ المنطقة، إذ تتقاطع نهاية هيمنة قديمة مع بداية واقع استعماري جديد، وترسم ملامح مستقبل سيترك أثره في فلسطين ومحيطها.

 

تكمن مشكلة الفيلم الأساسية في أنه يتحوّل في كثير من الأحيان إلى درس تاريخي جاف يحمل نبرة مسلسل طويل، وبينما العمل سليم في بعض جوانبه، إلا أنه يفتقد إلى الروح، وربما حملت جاسر عبئاً أكبر مما يمكن أن تتحمله. تعرض تصوير الفيلم وإنتاجه لصعوبات جسيمة، فبعد سنوات من البحث والعمل الميداني، أعاد فريق الإنتاج بناء قرية فلسطينية مدمرة جزئياً باستخدام الأساليب التقليدية وبالتعاون الوثيق مع العائلات المحلية، قبل أن يضطر للانتقال إلى شمال الأردن لإعادة بناء الموقع تحت ظروف صعبة.

 

كما أن العمل شهد تصوير لقطات في القدس تحت ضغط جسدي وعاطفي شديد. تعتبر جاسر أن ثورة 1936 كانت أول انتفاضة حقيقية لشعبها، تخطت الفوارق الطبقية والجغرافية، ففي نظرها أن كثيراً مما نعيشه اليوم هو نتيجة تلك المرحلة. تقول: “أردنا للأرشيف أن يكون حاضراً، لا مجرد رحلة إلى الماضي، بحيث يعيش المشاهدون قصة متواصلة تتقدم إلى الأمام، لأناس يطالبون بالكرامة”.

 

اقرأ المزيد

 

“صوت هند رجب” يفوز بجائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية

 

“فلسطين 36″ يفتتح أيام قرطاج السينمائية في تونس

ثالث الأفلام الفلسطينية المرشحة لـ”الأوسكار” هو “اللي باقي منك” للفلسطينية الأميركية شيرين دعيبس، الذي يستلهم من مفصل تاريخي آخر، عام 1948، أي النكبة، كنقطة انطلاق للأحداث. تمتد الحكاية عبر ثلاثة أجيال من عائلة فلسطينية، تبدأ في يافا مع اقتلاع شريف من بيته ووقوعه في الأسر، لتصبح العائلة لاجئة إثر ذلك.

 

يكبر الابن سليم في ظل هذا الفقد، ويصطدم لاحقاً بعنف الاحتلال حين يهان أمام ابنه نور. تمر السنوات، وخلال الانتفاضة يصاب نور إصابة بالغة، وتجد العائلة نفسها أمام خيار أخلاقي معقد يتعلق بالتبرع بأعضائه. بعد عقود، يعود سليم وزوجته ليافا كزائرين، في مواجهة صامتة مع بيت لم يعد لهم، ليختزل هذا المشهد مساراً طويلاً من الفقد والتحولات.

 

الفيلم الرابع والأخير وقد يكون الأقل فرصة لدخول المرحلة النهائية، هو العراقي “مملكة القصب” لحسن هادي، الذي يأخذنا إلى العراق في التسعينيات، أثناء سنوات الحصار القاسية، من خلال حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها محملة بالدلالات.

 

تتمحور القصة على طفلة تجبر على المشاركة في إعداد قالب حلوى لعيد ميلاد الديكتاتور صدام حسين، وهو تكليف مدرسي يتحوّل تدريجاً إلى رحلة مليئة بالعوائق. هذا الهدف الصغير يصبح المحرك الأساس للسرد، ووسيلة لاكتشاف عالم محاصر يضغط على أضعف فئاته.

 

صور الفيلم داخل العراق، مما يمنح المكان حضوراً لافتاً. العراق أكثر من خلفية للأحداث، بل عنصر فاعل في الحكاية: الأهوار، ونقاط التفتيش، والبيوت الفقيرة، والدكاكين الشحيحة. يعتمد هادي على منظور طفولي لرصد زمن فقدت فيه البراءة معناها، من دون خطاب مباشر أو إدانة صريحة.

 

ومن خلال التفاصيل اليومية، يلتقط الفيلم أشكال التضامن الصامت بين الناس، وكيف واجهوا القمع والعوز بالتكاتف والمساعدة المتبادلة. وهكذا، يتحول قالب الحلوى إلى رمز لفترة كاملة، تختصر علاقة الفرد الصغير بسلطة كبرى وظروف لا خيار له أمامها سوى التكيف معها.

التعليقات معطلة.