لم يكن سقوط حكومة كراكاس حدثاً داخلياً معزولاً، ولا مجرد نتيجة لأزمة اقتصادية أو صراع سياسي محلي، بل يمكن قراءته بوصفه أحد أوائل مؤشرات عام 2026 على عودة منطق فرض النفوذ الدولي بأساليب أكثر صراحة وأقل مواربة. ما جرى في فنزويلا يتجاوز حدود أميركا اللاتينية، ليحمل رسائل سياسية موجهة إلى عواصم بعيدة جغرافياً، قريبة وظيفياً، وفي مقدمتها طهران.
على مدى سنوات، شكّلت فنزويلا نموذجاً لدولة خارجة عن المزاج الغربي، محتمية بتحالفات مضادة، ومعتمدة خطاباً سيادياً صدامياً واقتصاداً يصف نفسه “بـالمقاوم للعقوبات”. هذا النموذج، رغم هشاشته البنيوية، جرى التسامح معه مرحلياً ضمن حسابات دولية أوسع. لكن اللحظة التي تغيّر فيها ميزان الأولويات، يتحول هذا النوع من الأنظمة من ورقة قابلة للاستخدام إلى عبء يجب التخلص منه.
من الاحتواء إلى الحسم
اللافت في مشهد كراكاس ليس إسقاط الحكومة بحد ذاته، بل طريقة الإسقاط. فقد سبق السقوط ضغط اقتصادي خانق، وعزل سياسي متدرّج، وتفكيك داخلي للنخبة الحاكمة، قبل الانتقال السريع إلى مرحلة ما بعد النظام. وهي مرحلة لا تُفتح عادة إلا حين يصبح بقاء النظام أكثر كلفة من إسقاطه.
هذا النمط يعكس تحولاً واضحاً من سياسة “إدارة الأزمات” إلى سياسة “إغلاق الملفات”. فعندما يُتخذ قرار الحسم، تكون الأدوات جاهزة، وتُفرض النتائج كأمر واقع، مهما طال زمن المراوحة قبلها.
طهران في مرمى القراءة لا الحدث
لا أحد يتحدث عن تكرار حرفي لسيناريو فنزويلا في إيران، لكن التشابه الوظيفي بين النظامين يصعب تجاهله. فكلاهما يمثل:
نظاماً مؤدلجاً تجاوز الدور الإقليمي المرسوم له.
اقتصاداً منهكاً بفعل العقوبات وسوء الإدارة.
مجتمعاً مرهقاً وغاضباً يبحث عن الخلاص لا عن الشعارات.
الفارق أن إيران أكثر تعقيداً، وأثقل حضوراً، وأعمق تشابكاً في الإقليم. غير أن القاعدة واحدة: حين يُستنفد الدور الوظيفي لأي نظام، يتحول من أصل سياسي إلى عبء استراتيجي، وتبدأ عملية التعامل معه بوصفه مشكلة لا شريكاً.
2026: عام الإشارات لا الانفجارات
عام 2026، وفق المؤشرات الأولى، لا يبدو عام الحروب الشاملة، بل عام إعادة ترتيب النفوذ، وإسقاط النماذج التي لم تعد صالحة للاستثمار السياسي. ما جرى في كراكاس رسالة مبكرة مفادها أن من لا يواكب التحول، سيُدفع إلى خارجه، بهدوء أو بقسوة.
طهران، مهما حاولت القفز على الزمن أو تدوير الأزمات، ليست خارج هذا السياق. الفارق يكمن في التوقيت والشكل، لا في الاتجاه.
سقوط حكومة كراكاس ليس خبراً عابراً في نشرة دولية، بل إشارة افتتاحية لمرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة النفوذ، وتُغلق فيها ملفات أنظمة مؤدلجة استنفذت أدوارها. أما من يعتقد أن الجغرافيا تحميه من هذا المسار، فالتاريخ القريب يجيب بوضوح.
النفوذ لا يعترف بالمسافات… بل بالوظيفة.

