ظاهرة التحرش في البصرة غريبة على تاريخها… من المسؤول؟

9





 

لم تكن البصرة، عبر تاريخها الاجتماعي والثقافي، مدينة تُعرَف بمثل هذه السلوكيات المنفلتة التي تضرب كرامة الإنسان قبل أن تضرب القانون. فهي مدينة الموانئ والتجارة والتنوّع، وواحدة من أكثر المدن العراقية انفتاحا وتسامحا في أنماط العيش. لذلك، فان حادثة التحرش الأخيرة التي تعرّضت لها شابة أثناء احتفالها برأس السنة، وما تلاها من مأساة إنسانية مؤلمة، لا يمكن التعامل معها كحادث عابر أو تصرّف فردي معزول، بل كإنذار خطير عن خلل أعمق في البنية الاجتماعية والأمنية والقيمية.

القضية هنا لا تتعلق “بـرأس السنة” ولا “بـالاحتفال”، بل بحق إنساني بديهي, الحق في الأمان والكرامة في الفضاء العام. تحويل الضحية إلى متهم، وتبرير الاعتداء بذرائع أخلاقية أو دينية، هو سقوط أخطر من الفعل نفسه، لأنه يشرعن العنف ويمنح المتحرش غطاء اجتماعيا ونفسيا للاستمرار.

من المسؤول؟

السؤال الحقيقي ليس: لماذا كانت الشابة هناك؟ بل:

لماذا غاب الردع؟

ولماذا تآكلت هيبة القانون؟

ولماذا تُركت الفضاءات العامة بلا حماية حقيقية؟

المسؤولية تتوزع على عدة مستويات:

أولًا: الدولة ومؤسساتها

ضعف تطبيق القانون، والتساهل مع السلوكيات المنحرفة، وغياب الانتشار الأمني المهني في المناسبات العامة، كلها عوامل حولت الشارع إلى مساحة مفتوحة للفوضى. القانون موجود، لكن إرادة تطبيقه انتقائية ومترددة، وهذا أخطر من غيابه.

ثانيا: الخطاب الديني والاجتماعي

حين يختزل “الأخلاق” في جسد المرأة، ويُعفى المعتدي من المساءلة بحجة “الغيرة” أو “الأمر بالمعروف”، فنحن أمام خطاب ينتج العنف ولا يمنعه. الدين والقيم وُجدت لحماية الإنسان، لا لتبرير الاعتداء عليه.

ثالثا: النخب والإعلام

الصمت، أو التبرير، أو القفز فوق جوهر القضية، مشاركة غير مباشرة في الجريمة. المطلوب خطاب شجاع يسمّي الأشياء بأسمائها: تحرش، جريمة، ومسؤولية قانونية واضحة.

البصرة… ما الذي تغيّر؟

ما جرى لا يشبه البصرة التي نعرفها. المدينة لم تتبدل فجأة، لكن ما تغيّر هو ميزان السلطة في الشارع: تراجع الدولة، وتقدّم السلوكيات المنفلتة، وتطبيع العنف اللفظي والجسدي، خصوصا ضد النساء. هذه ليست أزمة أخلاق أفراد، بل أزمة نظام ضبط اجتماعي وأمني فشل في حماية الأضعف .

المأساة التي هزّت البصرة يجب ألا تُختزل في حادثة، ولا تُستثمر في مزايدات أخلاقية. هي اختبار حقيقي للدولة والمجتمع معا:

إما قانون يحمي الجميع بلا استثناء،

أو فوضى تُعيد تعريف المدينة على حساب تاريخها وكرامة أهلها.

البصرة لا تحتاج دروسا في الأخلاق، بل تحتاج دولة حاضرة، وقانونا صارما، وخطابا إنسانيا يعيد الاعتبار لحق الإنسان في الحياة والأمان، أيا كان، وأينما كان .

التعليقات معطلة.