ماذا لو قصفت الولايات المتحدة إيران؟

5


24 ـ طارق العليان

في لحظة إقليمية بالغة الهشاشة، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إشعال الجدل بشأن احتمالات المواجهة المباشرة مع إيران، بعدما لوّح علناً باستخدام القوة العسكرية رداً على قمع الاحتجاجات الداخلية. هذه التهديدات، التي أُطلقت خلال فترة زمنية وجيزة، فتحت باب التساؤل ليس فقط حول نيات واشنطن، بل أيضاً حول التداعيات الفعلية لأي ضربة جوية أمريكية محتملة، سواء على الداخل الإيراني، أو على توازنات السلطة، أو على مستقبل الدولة نفسها.

في هذا السياق، يحلل الباحث الأمريكي الإيراني الأصل أرمان محموديان، ما الذي سيحدث فعلياً إذا تحولت التهديدات إلى صواريخ.

وقال محموديان، الباحث في معهد الأمن القومي والعالمي بجامعة جنوب فلوريدا، إن الرئيس الأمريكي وجّه، خلال فترة زمنية قصيرة، رسالتين مباشرتين إلى طهران، لوّح فيهما بأن الجيش الأمريكي في حالة جاهزية قصوى، مؤكداً في الوقت نفسه أن قتل المتظاهرين السلميين سيقابَل برد قاسٍ.

طهران تتهم المتظاهرين بالوقوف مع إسرائيل وأمريكا – موقع 24
حذر رئيس السلطة القضائية الإيرانية، اليوم الأربعاء، المحتجين من أن أي تعاون مع أعداء الجمهورية الإيرانية لن يُغتفر، متهماً إسرائيل والولايات المتحدة باستخدام أساليب متعددة لزعزعة استقرار إيران.

وأضاف الكاتب أن هذه التصريحات فجّرت نقاشاً واسعاً داخل إيران وخارجها بشأن أهدافها الحقيقية: هل تندرج في إطار حرب نفسية تهدف إلى إرباك النظام ورفع معنويات المحتجّين؟ أم تمثّل مؤشراً على استعداد فعلي لاستخدام القوة العسكرية؟ أم أنها مجرد ورقة ضغط إضافية لدفع طهران إلى طاولة التفاوض وفق الشروط الأمريكية؟

ويرى الكاتب أن السؤال الجوهري لا يكمن في تحديد الدافع الغالب وراء هذه التهديدات، بقدر ما يتمثل في استشراف ما قد يحدث داخل إيران إذا ما نُفّذت الضربة فعلاً، وما قد تتركه من آثار عميقة على الداخل الإيراني وتوازنات السلطة فيه.

كيف تؤثر الضربات الجوية في الاحتجاجات؟
وتابع الكاتب أن أي تقييم جدي للتداعيات المحتملة لا بد أن ينطلق من حجم الضربة ونوعية أهدافها؛ فالضربة الرمزية تختلف جذرياً عن حملة قصف واسعة، كما أن استهداف البنية العسكرية لا يعادل استهداف القيادة السياسية. ومع ذلك، يؤكد أن أي هجوم أمريكي، أياً كان نطاقه، سيُطلق سلسلة من التفاعلات الداخلية التي يصعب تجنّبها.

أولاً، ستتأثر معنويات وتماسك الأجهزة الأمنية، إذ سيجد النظام نفسه في مواجهة تهديد مزدوج يتمثل في احتجاجات داخلية وضغط عسكري خارجي، في وقت لم تتعافَ فيه المنظومة الأمنية بالكامل من تداعيات المواجهات السابقة.

ثانياً، قد تتسارع مظاهر التردد والانشقاق الصامت داخل بنية النظام، ولا سيما في أوساط العناصر المرتبطة به بدوافع مصلحية أكثر منها أيديولوجية.

ويوضح الكاتب أن أي إحساس بتراجع السيطرة أو بارتفاع المخاطر الشخصية قد يدفع بعض هؤلاء إلى الانسحاب أو الامتناع عن الامتثال للأوامر.

ثالثاً، قد تسهم الضربة في تعميق الانقسامات داخل النخبة الحاكمة بين تيار براغماتي يدعو إلى التهدئة واحتواء الأزمة، وآخر متشدد يرى في التصعيد اختباراً وجودياً للبقاء. ويؤكد الكاتب أن مثل هذا الانقسام قد يفضي إلى شلل في عملية صنع القرار في لحظة بالغة الحساسية.

إيران.. تصاعد الاحتجاجات ومحاولة لاقتحام مبنى حكومي – موقع 24
قالت وسائل إعلام رسمية إن محتجين إيرانيين حاولوا اقتحام مبنى حكومي محلي في إقليم فارس الجنوبي، اليوم الأربعاء، في رابع يوم من المظاهرات بسبب غلاء المعيشة، مما دفع الحكومة إلى عرض غير معتاد للحوار.

حين يتحول الخوف إلى قمع دموي
وأشار الكاتب إلى أن تفاعل هذه العوامل مجتمعة قد يُضعف قدرة النظام على احتواء الاحتجاجات، لكنه قد يدفعه في المقابل إلى حالة من الذعر. وأضاف أن أخطر ما في هذا السيناريو هو احتمال لجوء الأجنحة الأكثر تشدداً إلى تسريع وتيرة القمع باستخدام مستويات غير مسبوقة من العنف.

وأوضح أن منطق «تنظيف الداخل» قبل مواجهة الخارج قد يغري المتشددين بتوظيف القوة المفرطة لإخماد الشارع سريعاً، سواء بدافع الحسم أو خوفاً من القتال على جبهتين في آن واحد. ولفت الباحث إلى أن تأطير الاحتجاجات بوصفها مؤامرة خارجية يسهّل تبرير التعامل مع المتظاهرين باعتبارهم أعداء لا مواطنين، مشيراً إلى تصريحات متشددة صدرت أخيراً عن مسؤولين قضائيين إيرانيين.

إيران على حافة الفوضى المفتوحة
وتابع الكاتب أن العنف، رغم إغراءاته للأنظمة السلطوية، غالباً ما يخلق أزمات بقدر ما يحلّ. فحين يتحول الصراع إلى معادلة صفرية، يصبح كل طرف تهديداً وجودياً للآخر، ما يفتح الباب أمام انزلاق البلاد إلى صراع مفتوح.

وأضاف أن الجغرافيا الإيرانية المعقدة، ووجود شبكات مسلحة على الحدود الشرقية، ونشاط جماعات كردية في الغرب، كلها عوامل تجعل البلاد عرضة لتفكك أمني إذا ضعفت قبضة المركز. وفي مثل هذه البيئات، تتحرك الفصائل المسلحة والشبكات الإجرامية سريعاً لملء الفراغ.

الرئيس الإيراني يطالب بالتمييز بين المتظاهرين و”مثيري الشغب” – موقع 24
دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، اليوم الأربعاء، إلى “عدم اتخاذ أي إجراء” ضد المتظاهرين، وإلى التمييز بينهم وبين “مثيري الشغب”، وفقاً لتصريحات نقلتها وكالة “مهر” للأنباء.

إذا سقط النظام… من يحكم؟
وأوضح الباحث أن السؤال الأخطر لا يتعلق بسقوط النظام فحسب، بل بما بعده. فرغم تزايد الحضور الرمزي لأنصار ولي العهد السابق رضا بهلوي، فإن التيار الملكي يفتقر إلى بنية تنظيمية فاعلة داخل إيران قادرة على فرض الاستقرار فوراً.

وأضاف الكاتب أن هذا الفراغ قد يسمح لقوى محلية مسلحة أو شبكات نفوذ متفرقة بالتحرك أولاً، ما يجعل الانتقال السياسي صراعياً لا سلساً، ويطيل أمد العنف بدل إنهائه.

ضربة تغيّر كل شيء
خلص الكاتب إلى أن الضربة الأمريكية، إن وقعت، لن تكون مجرد حدث عسكري عابر، بل نقطة تحول عميقة في الديناميات السياسية الإيرانية، بتداعيات يصعب عكسها. فمصير البلاد سيتحدد بتفاعل معقد بين حجم الضربات، واستمرار الضغط الشعبي، وتماسك النخبة، وسلوك الأجهزة الأمنية في الساعات والأيام الأولى.

وأكد الباحث أن الأزمات الكبرى نادراً ما تسير وفق الخطط المرسومة؛ إذ تنهار سلاسل القيادة، وتتبدل الولاءات، وتتكاثر الأخطاء. وما هو واضح، بحسب الكاتب، أن أي تدخل عسكري خارجي خلال احتجاجات داخلية سيعيد رسم المشهد الإيراني بطرق لا يمكن التحكم في مساراتها بسهولة.

التعليقات معطلة.