لم يعد العراق يملك الوقت والخيار لما ستقرره طهران، ولا هامش الاكتفاء بدور المتأثر الصامت. فمع اقتراب لحظة التحول في إيران، يقترب العراق من أكثر اختباراته قسوة منذ عام 2003: هل يبقى ساحة تُدار من الخارج، أم يفرض نفسه كدولة تمتلك قرارها في لحظة انهيار المراكز القديمة؟
على مدى عقدين، جرى تثبيت العراق في موقع “الملف المفتوح” داخل المعادلة الإيرانية؛ تُضبط أزماته حينًا، وتُترك تتفاقم حينًا آخر، وفق حسابات لا تُصاغ في بغداد. اليوم، ومع تآكل نظام ولاية الفقيه واحتمال سقوطه، ينكشف هذا الواقع دفعة واحدة، ويصبح “اليوم التالي لطهران” مسألة عراقية بامتياز، لا تطورًا إقليميًا يُتابَع من بعيد.
تفكك المظلّة الخارجية واستحقاق القرار الوطني
شكّل الدور الإيراني، طوال السنوات الماضية، عامل ترجيح أساسي في التوازنات السياسية العراقية، لا سيما داخل البيت الشيعي. لم يكن هذا الدور دائمًا معلنًا، لكنه كان حاضرًا في لحظات تشكيل الحكومات، وضبط الصراعات، ومنع الانفجارات الكبرى.
سقوط نظام ولاية الفقيه يعني انهيار هذه المظلّة، وكشف هشاشة تحالفات بُنيت على الدعم الخارجي أكثر مما بُنيت على قواعد داخلية أو برامج وطنية. وفي المقابل، يفتح هذا التحول بابًا نادرًا أمام استعادة القرار العراقي، شريطة أن تكون هناك قوى سياسية قادرة على ملء الفراغ بمنطق الدولة لا بمنطق المحور.
الفصائل المسلحة: اختبار احتكار الدولة للقوة
يُعد ملف الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران التحدي الأكثر حساسية في مرحلة ما بعد السقوط. فقد استمدت هذه الفصائل نفوذها من التمويل، والغطاء السياسي، والشرعية العقائدية القادمة من المركز. ومع غياب هذا المركز، ستدخل مرحلة إعادة تموضع قسري.
السيناريو المرجّح لا يتجه نحو التفكك الفوري، بل نحو تحولات متباينة: اندماج جزئي في العملية السياسية، انكفاء محلي محدود، أو صراعات داخلية على النفوذ والموارد. هنا، سيكون موقف الدولة العراقية حاسمًا؛ فإما أن تفرض احتكار السلاح، أو تسمح بإعادة إنتاج الفوضى بصيغ مختلفة.
المشهد الشيعي: نهاية الوصاية وبداية التعدد
سقوط المرجعية السياسية لولاية الفقيه سيضع القوى الشيعية العراقية أمام استحقاق تاريخي. فغياب المرجع الخارجي سيجبر هذه القوى على إعادة تعريف دورها داخل الدولة، وعلاقتها بالمكونات الأخرى، بعيدًا عن منطق التفوق أو الاستقواء.
هذا التحول، رغم مخاطره، قد يفتح المجال أمام خطاب شيعي وطني أكثر استقلالية وبراغماتية، وهو ما قد يسهم في إعادة التوازن للنظام السياسي، إذا ما أُحسن استثماره ضمن إطار دستوري جامع.
الأمن والاقتصاد: ارتباك محسوب وفرص مؤجلة
أمنيًا، قد يشهد العراق مرحلة ارتباك محدودة نتيجة تراجع قدرة الضبط غير الرسمي الذي كان يمارَس عبر طهران. إلا أن هذا الارتباك لا يعني بالضرورة انهيارًا شاملًا، خصوصًا إذا ما توفّر دعم إقليمي ودولي يركز على تثبيت الدولة لا إدارتها بالنيابة.
اقتصاديًا، يتيح تراجع النفوذ الإيراني فرصة لإعادة تنظيم المنافذ الحدودية، والحد من اقتصاد الظل، وتنويع الشراكات التجارية والاستثمارية، بما يخدم المصلحة الوطنية بعيدًا عن شبكات النفوذ العابرة للحدود.
العراق في المعادلة الإقليمية الجديدة
في السياق الإقليمي الأوسع، قد ينتقل العراق من موقع الساحة إلى موقع عنصر التوازن، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وثقله الاقتصادي والبشري. لكن هذا التحول لن يكون تلقائيًا؛ بل مرهون بقدرة النخب السياسية على قراءة اللحظة، والتخلي عن منطق الاصطفافات لصالح منطق المصالح.
في النهاية، لن يُقاس سقوط نظام ولاية الفقيه بمدى ضعفه أو سرعة انهياره، بل بقدرة الدول التي تأثرت به وفي مقدمتها العراق على تحويل هذه اللحظة من صدمة سياسية إلى مشروع دولة.
فإما أن ينجح العراق في الخروج من دور “ساحة النفوذ” إلى “لحظة الدولة”، أو أن يبدد الفرصة التاريخية ويعيد إنتاج التبعية بصيغة جديدة. وفي كل الأحوال، سيكون العراق المؤشر الأوضح على ما إذا كان الشرق الأوسط قادرًا على الانتقال من زمن الأيديولوجيا إلى زمن الدولة.
.

