عدالة الأقوى

5

سعاد فهد المعجل

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أقسم العالم بألا يتكرر منطق الغابة ثانية، فبعد الأهوال والضحايا التي شهدها العالم بأسره جراء حربين مدمرتين، ظهرت منظمة الأمم المتحدة، وتم اعتماد إعلان حقوق الانسان، وبدأت محاكم دولية كمحكمة العدل في ممارسة صلاحياتها، ومحاربة الخارجين عن القانون الدولي، لكن لم ينجح في ذلك سوى محكمة نورنبيرغ، والتي حاكم فيها المنتصرون قادة المانيا النازية واعتبارهم متهمين بجرائم حرب ضد الإنسانية، لتصبح وللمرة الأولى محاكمة للأفراد وليس للدول. والمفارقة أن «عدالة المنتصر» هنا لم تطبّق على قصف هيروشيما ولا ناغازاكي ولا على أي جرائم حرب أخرى باستثناء ما صدر في حق صدام حسين ومن بعده بشار الأسد.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تم الترويج وبنجاح مذهل لثقافة سياسية عالمية جديدة تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم المساومة حول ما ورد في إعلان حقوق الإنسان، وبحيث تكون هنا الأمم المتحدة هي الحَكَم بين الأقوياء والضعفاء، لكن أيًّا من ذلك لم يتحقق، وباستثناء تحرير الكويت في عام 1991، والذي جاء بإجماع وتحرك دولي قائم على احترام سيادة الدول والقانون الدولي، باستثناء ذلك لم يحدث أن أجمع العالم وانتصر لأحد في مواجهة القوي.

في غزة، رأينا كيف ساد منطق الغابة، وبوحشية قاسية، حيث كان القتل الجماعي للمدنيين والأطفال والشيوخ، وقصف المدارس والمستشفيات ودور العبادة، تحت شعار «الدفاع عن النفس والأمن القومي»، وتابعنا جميعًا كيف أصاب الصمت الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها، والمحكوم من الجلاد من خلال الفيتو، وشهدنا كيف انفجرت فقاعة حقوق الإنسان والقانون الدولي الذي كان محصّلة تجربتين مرعبتين تعرّض لهما العالم في حربين مدمرتين: الحرب الأولى والحرب الثانية.

في فنزويلا، اختلف المشهد قليلاً وإن كان قانون القوة هو الذي ساد، حيث تمت محاصرة الدولة، والتشكيك في شرعية حكومتها، ثم التدخل عسكرياً وبشكل مباشر من خلال قصفها واعتقال رئيسها وزوجته.

من الواضح وعبر التاريخ، أن من يملك القوة هو الذي يضع القواعد ويصيغها وينفذها، لكن العالم آمن وأيقن، ربما لفترة قصيرة، بأن لحقوق الإنسان والقانون الدولي نفوذا وصلاحيات قد تحمي الضعيف وتعزّز العدالة، لكن وبكل أسف سقط مثل هذا الحلم البشري في غزة وفي أوكرانيا والسودان واليمن والصومال وفنزويلا في ظل الغياب الواضح لمساءلة القوي في هذه المعادلة بل ومنحته أحيانا غطاء أخلاقيا وليس قانونيا فقط.

إعلان حقوق الإنسان ليس كذبة بحد ذاته، بل هو مشروع سامٍ أراد إنصاف الضعيف وإرساء ميزان العدالة قدر الإمكان، لكن المشكلة هي أنه أصبح كمشروع رهن ميزان القوة وليس ميزان العدالة، لكن قد يكون التخلي عن هذه الكذبة أخطر من الاستمرار بها، فالعالم، وإن لم يؤمن بحقوق الإنسان، إلا أنه يتمسك به، لأنه لا يملك بديلاً، أو أن يكون البديل فوضى وعنفا أكثر.

غزة اليوم تُباد، والأطفال فيها يموتون يوميًا، إما بالقنابل أو جوعًا أو بفعل البرد والعواصف، لكنها، وبالرغم من الإبادة، تكتب ملف إدانة سيحمله التاريخ على عاتقه الى أن يأتي يوم الفصل.

وإذا كانت القوة مباشِرة ومرعبة ودموية في غزة، فإنها تُمارَس في حالات أخرى بشكل غير مباشر وكما حدث في فنزويلا مثلًا، أو من خلال القوة الناعمة، وهو المصطلح الذي أطلقه جوزيف ناي في نهاية الثمانينيات، حين شرح كيفية المحافظة على التفوّق العالمي دون حروب مُكلِفة ولا احتلال مباشر، وذلك حين قال: القوة لا يجب أن تُرى كي تكون فعالة.

وهو هنا أعطى للهيمنة مظهراً نظيفًا لا أكثر، لكن تبقى الحقيقة الجوهرية هنا، وهي أن العدالة الحقيقية عبر التاريخ لم تأتِ إلا من خلال استمرار الظلم.

 

سعاد فهد المعجل

https://alqabas.com/article/5958250 :إقرأ المزيد

التعليقات معطلة.