مثقفون ونقاد يدعون إلى الخروج من مظاهر التكريم إلى مقاربات تناقش صاحب نوبل
شريف الشافعي كاتب وصحافي
نجيب محفوظ شخصية معرض القاهرة للكتاب (متحف الكاتب)
ملخص
يفتح اختيار نجيب محفوظ شخصية محورية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 باب السجال حول الجديد الذي يمكن طرحه من محاور ودراسات وقراءات تضيء عالم أديب نوبل، خارج حيز التكرار والاستسهال.
بين التناول الاحتفالي والدرس المتعمق، يأتي اختيار نجيب محفوظ (1911-2006) في ذكرى رحيله الـ20 شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، خلال الفترة من الـ21 من يناير (كانون الثاني) الجاري إلى الثالث من فبراير(شباط) المقبل. ويعتمد بوستر المعرض صورة لمحفوظ إلى جوارها عبارة منسوبة إليه: “من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قروناً”.
وبمجرد إقرار هذا الاختيا، تتفجر سلسلة من الأسئلة: ما الأهم للباحثين والدارسين والناشرين حيال مناقشة أدب محفوظ؟ ما الجوانب الثرية التي لم تستنفد بحثاً بعد، وهل الوقت كاف لذلك، أم ستقع بعض الأطروحات في فخاخ التسرع والسطحية والتكرار؟ وكيف يمكن تقديم معالجات مبتكرة لاستكشاف عالم محفوظ، بما يفيد القراء ويحقق أهداف الناشرين والمترجمين أيضاً، الحريصين على إضاءة جوانب جديدة من أدب محفوظ؟
تدافع الهيئة المصرية العامة للكتاب، المنظمة للمعرض، عن هذا الاختيار ضمن سياق الاحتفال بالذكرى الـ20 لرحيل محفوظ، خصوصاً أنه لم يُختر من قَبل شخصية للمعرض، وهناك مجالات وزوايا متنوعة لا تنتهي في تناول أدبه وعالمه، من خلال الندوات والمناقشات وفنون الكاريكاتير والمعارض التشكيلية وغيرها، بما لا يعني استنساخاً لأنشطة ومؤتمرات سابقة في هذا الصدد.
d2ac2001-1e2a-4e3b-ab07-5681056538a7.jpg
شعار معرض القاهرة للكتاب (خدمة المعرض)
“اندبندنت عربية” التقت مجموعة من النقاد والمبدعين والناشرين والمترجمين للكلام حول هذا الاختيار، وكيف يمكن تحقيق الاستثمار المعرفي الأمثل لبرنامج ثقافي كبير يرتكز على أديب بوزن محفوظ.
التحدي والحوار الحي
ترى الكاتبة والمترجمة سلوى جودة الأستاذة في كلية الآداب جامعة عين شمس، أن جوهر التحدي في مناقشة أدب محفوظ اليوم هو كيف نخرجه من متحف التكريم إلى ساحة الحوار الحي وفق رؤية معاصرة، فكثير من المناقشات السابقة وقعت في شراك التكرار والوصف، أو اختزلت أعماله في مقولات جاهزة مثل “روائي الحارة المصرية” أو “الملتزم اجتماعياً”، مما أفقدها القدرة على الكشف عن طبقاتها العميقة. وضروري التحرر من “التابوهات” النقدية التقليدية والغوص في مناطق أقل استكشافاً في نصوصه، فمحفوظ ليس مؤرخاً للحارات فحسب بل هو فيلسوف تأمل في مسارات التاريخ البشري، فلنقرأ مثلاً رؤيته لقوانين القدر والصراع بين الإرادة الفردية والقوى الاجتماعية المهيمنة في أعمال مثل “الحرافيش” و”أولاد حارتنا” و”المرايا”. إن فلسفته حول دور “الرجل العظيم” في التاريخ وتكرار دورات الظلم والثورة، في حاجة إلى قراءة تتجاوز السياق المحلي إلى الإنساني الكوني.
وتشير سلوى جودة إلى أنه غالباً ما تختزل شخصيات محفوظ النسائية في صورة “المرأة المضطهدة” أو “المرأة القوية”، ولكن نساءه أكثر تعقيداً وإثارة، فهن فاعلات في التاريخ ومفكرات وضحايا لنظام أبوي، ولكنهن يملكن إرادة مريبة وغامضة. ومن ثم، فإن قراءة تمثيلاته للجسد الأنثوي والرغبة والسلطة داخل الأسرة عبر عدسات جندرية معاصرة ستكون غنية.
وتستطرد: كيف يصور محفوظ انهيار اليقينيات وهشاشة البنى الأخلاقية في مواجهة التحولات الكبرى؟ شخصيات مثل عباس الحلو أو عيسى الدباغ أو سعيد مهران تحمل هشاشة إنسانية تحتاج إلى تحليل نفسي واجتماعي عميق. وهناك جانب مهمل لتجريب محفوظ السردي، في “المرايا” و”حديث الصباح والمساء” و”رحلة ابن فطومة”، فلديه لعبة بارعة مع الزمن، والرواية كشكل، والعلاقة بين السارد والمروي، هذه التقنيات التي سبقت عصرها في العربية تحتاج دراسة مقارنة مع الرواية العالمية المعاصرة. والهدف النهائي يجب أن يكون إنتاج قراءات مبتكرة تلامس هموم القارئ العربي المعاصر، وتقدم محفوظ للقارئ الغربي ليس كـ”دليل سياحي” على القاهرة التاريخية فقط – وهي صورة نمطية علقت به – بل كفيلسوف إنساني عالمي شغلته أسئلة الوجود والحرية وعبثية التاريخ وصراع المثالي والواقعي، وهي أسئلة تخاطب القارئ في أي مكان.
تجاوز الأحادية
85962061.jpg
من أعمال نجيب محفوظ (نيل وفرات)
ويلتقط خيط الحديث سيد إسماعيل ضيف الله أستاذ النقد الأدبي المساعد في المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، موضحاً أن الدراسات الكثيرة عن أعمال نجيب محفوظ متفاوتة في درجات الإجادة والتميز، فهو اسم جاذب لكبار الباحثين وصغارهم. ومن الدراسات المتميزة مثلاً ما قدمته سيزا قاسم بتطبيق المنهج البنيوي، وما كتبه إبراهيم فتحي عن عالمه الروائي مقارناً بين القصة والرواية الملحمية عنده، إضافة إلى كتابات غالي شكري في “اللامنتمي”، ويحيي الرخاوي حول أعماق النفس البشرية في عالم محفوظ، وحسين حمودة ومحمد بدوي وغيرهم.
وبحد ضيف الله، فمن الممكن تقديم مفاتيح لمن يتخيل أن محفوظ قتل بحثاً، ولا جديد تحت شمسه، فهناك حاجة مثلاً إلى دراسات رفيعة تتناوله من زوايا: النقد الثقافي والنقد النسوي والنقد البيئي، والأهم أن تُتناول أعماله تناولاً يتجاوز أحادية النوع الأدبي والفني إلى الدراسات البينية، إذ تثري الدراسات البينية المقاربات النقدية إذا كانت ذات أساس منهجي راسخ وواضح في أذهان الباحثين القادرين على تجاوز النظرة الضيقة للتخصص في نوع أدبي أو فني واحد.
اختيار تسويقي
وبحد الشاعر والروائي سمير درويش المسؤول السابق في الهيئة المصرية العامة للكتاب والهيئة العامة لقصور الثقافة، فإن معرض القاهرة الدولي للكتاب ليس مؤتمراً أدبياً متخصصاً ليكون مطلوباً منه تقديم رؤى نقدية وجمالية جديدة ولافتة، تشكل إضافة إلى إنتاج شخصيته الرئيسة. فاختيار الشخصية هو اختيار إعلاني إعلامي تسويقي، يلفت النظر إلى النماذج المضيئة في الدولة التي تنظم الفعالية، وكلما كانت الشخصية متخطية لأطر محليتها، صب ذلك في المصلحة العامة.
ومع ذلك، فالإنتاج الكبير والمتميز لنجيب محفوظ لا يمكن معه الحديث عن أنه قتل بحثاً، لأن النظرية الأدبية تتطور وتتيح فرصاً للرؤية من جوانب مختلفة لم يكن يهتم النقاد بها. فالبنيوية مثلاً أضافت زاوية النظر إلى العلاقات اللغوية داخل النص، والنقد الثقافي نقل التحليل من النص إلى النسق الثقافي والسلطة والأيديولوجيا الكامنة خلفه.
والذي حدث مع نجيب محفوظ، في رأي سمير درويش، أن نقاد زمنه وضعوا أسساً للتعامل مع رواياته استقرت زمناً طويلاً، وأصبح التالون يرددونها بآلية. فمثلاً قسموها إلى مراحل: تاريخية وواقعية ونفسية وسياسية، إلخ. قد يكون هذا التقسيم مفيداً في مرحلة ما، لكنه لا يضعه ضمن سياقه الفني الجمالي، لأنه لم يتوقف بالصورة المطلوبة والمستحقة أمام بناء الجملة والتفضيلات اللغوية وتوزيع الشخصية واختيار مناطق ظهورها وغيابها. هذه أمثلة فحسب، فهل معنى ذلك أن نقاد زمنه قصروا في دراسته أو كانوا أقل من مستوى إبداعه؟ لا يعتقد سمير درويش ذلك، ولكن الاجتهادات النقدية ترتبط عادة بالاتجاهات الغالبة في وقتها، وبالنظريات المتاحة.
ما الجديد الذي يمكن أن يقدمه معرض القاهرة للكتاب لنجيب محفوظ؟ يجيب سمير دويش بقوله، هذا السؤال مهم وشائك خصوصاً أن الجهة المنظمة لا تمتلك حقوق طباعة أعماله وتوفيرها بأسعار في المتناول، لكن يمكن أن يكون هناك محور فيه ندوة يومية، 13 ندوة تناقش أهم 13 رواية مفصلية في تاريخه من وجهة نظر النقد الحديث، يشارك فيها نقاد هذا الجيل الذين بلا شك سيقدمون رؤى جديدة ولافتة لم يتطرق لها أساتذتهم.
مناهج تحليلية جديدة
تصف مدرس الأدب والنقد الحديث في كلية الآداب بجامعة قناة السويس نانسي إبراهيم اختيار نجيب محفوظ شخصية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 بالاختيار الموفق، على سبيل الاحتفاء بالكتابة والكتاب، ولكنه خلال الوقت ذاته اختبار حقيقي لقدرتنا على تجديد النظر في مشروع أدبي ظن كثر أنه استُنفد بحثاً. فالسؤال الأهم اليوم ليس “ماذا كتب محفوظ؟”، بل “كيف نقرأ محفوظ الآن، وما الذي يقدر أدبه على كشفه لنا ضمن سياقات فكرية وتاريخية متغيرة؟”. وهنا تبرز الحاجة إلى تجاوز القراءات التقليدية التي حصرت محفوظ في ثنائيات ومعطيات جاهزة: الواقعية الاجتماعية، الحارة والسلطة، الصراع بين الدين والعلم. وعلى رغم أنها قضايا مركزية بلا شك فإنها ليست الوحيدة، فلا يزال أدب محفوظ زاخراً بمساحات بحثية لم تنقب بعمق، مثل البنية الزمنية في رواياته وتحولات الوعي الفردي في علاقته بالمدينة، وتمثيل الهامش الاجتماعي من منظور النقد الثقافي، بل واشتغاله المبكر على أسئلة الوجود والعبث قبل شيوعها عربياً.
اقرأ المزيد
نجيب محفوظ اتكأ على ذاكرة الطفولة في قصصه القصيرة
فيصل دراج يقرأ روايات نجيب محفوظ من زاوية فلسفية
وترى نانسي إبراهيم أن الجوانب الجديدة لا تتطلب فقط موضوعات مختلفة، بل مناهج مختلفة: قراءات سوسيولوجية مقارنة، ومقاربات نفسية معمقة، أو دراسات تربط محفوظ بالسياق العالمي للرواية الحديثة، لا بوصفه متأثراً فحسب بل بوصفه مساهماً في تطور الشكل الروائي، فالإشكال الحقيقي يكمن في كيفية مقاربته لا في حجم ما كتب عنه. ومن هنا تصبح مسؤولية الباحثين اليوم كسر أفق التلقي التقليدي الذي استقر لعقود، والانتقال من توصيف أدب محفوظ إلى تحليله بوصفه بنية فكرية وجمالية لا بوصفه “كاتب الحارة” أو “مؤرخ التحولات الاجتماعية”، فلم تهتم الدراسات كثيراً ببناء الزمن السردي وتحولات الذات الفردية وتمثلات السلطة الرمزية، وعلاقة الوعي بالمدينة بوصفها فضاءً نفسياً لا جغرافياً فحسب.
ولا يزال مشروع محفوظ يحتمل قراءات جديدة، خصوصاً عبر مناهج حديثة تتجاوز التفسير المباشر، مثل المقاربات السردية المقارنة والدراسات البينية والتحليل النفسي الثقافي، ودراسة التداخل بين الفلسفي واليومي في نصوصه المتأخرة، لإعادة وضع محفوظ في سياق الرواية العالمية.
تفكيك الخطاب الروائي
وحول ما قد يكون مثيراً لشهية الناشرين من دراسات تتناول أدب نجيب محفوظ بصورة مغايرة، يشير الشاعر والناشر إسلام عبدالمعطي مدير دار روافد للنشر إلى أن كثيراً من الباحثين تناولوا منجز محفوظ الروائي من جوانب عديدة، وإن كان أشهرها يغلب عليه الطابع الصحافي، بمعنى البحث عما هو مثير في كتاباته وظروف كتابتها وما تشمله هذه الظروف من أسرار، وهذا بالتأكيد جانب مهم ومطلوب. ولكننا نحتاج إلى تفكيك الخطاب الروائي لنجيب محفوظ ودراسته من جوانب مختلفة، جمالياً وسوسيولوجياً.
ويرى عبدالمعطي أن في كتابات محفوظ تأريخاً اجتماعياً وسياسياً لزمنه وواقعه، ونحتاج إلى جهود من مناحٍ عدة لتفكيك هذا الخطاب والوقوف عليه والاشتباك معه. وتشمل كتابات محفوظ كذلك أبعاداً فلسفية تحتاج إلى جهد لاستكشافها وإلقاء الضوء عليها، وكذلك مناقشة مشروعه على مستوى طبقات اللغة المستخدمة وبناء الشخصيات. والأمر يتطلب وقتاً وجهوداً مخلصة لإنجاز ذلك، ومعرفة: كيف أثر محفوظ في مجايليه وفي من ظهروا بعده؟ وهل استطاع اللاحقون الخروج من عباءته، وكيف فعلوا ذلك؟
الحرية والحس المسرحي
وبحسب أستاذ الأدب والنقد والبلاغة المساعد عزوز علي إسماعيل فإن الباحثين الجدد في أدب نجيب محفوظ يرون أن دراسة الوجودية عنده من الأهمية بمكان، لأن الوجودية أن يكون الإنسان نفسه، فإذا كان وجود الفرد في الحياة ينتهي بالموت فحتماً عليه أن يسعى أولاً لإثبات ذلك الوجود. ووجوده لا يكون إلا من خلال الإرادة التي تحتم عليه أن يكون موجوداً في هذا الكون، وهو ما برع فيه نجيب محفوظ كما رأينا في “اللص والكلاب”، وسعي سعيد مهران لإثبات وجودة على رغم القهر الذي عاناه وتنكر المجتمع له وتنكر أقرب الناس له. والأمر نفسه عند عيسى الدباغ في “السمان والخريف”، إذ أراد أن يكون ذاته بعد التحول الكبير في الحياة السياسية عام 1952، وترك حزبه ليبحث من جديد عن مكان له. الأمر ذاته في “الطريق” ورحلة البحث عن غائب بعيد يتمثل في صابر الرحيمي ورحلته في البحث الوجودي عن والده التائه غير المعروف، وهكذا فإن دراسة الوجودية عند نجيب محفوظ لم تأخذ حقها.
ويختتم عزوز علي إسماعيل بأن هناك أمراً في غاية الأهمية لدراسة أدب محفوظ، هو أن معظم أعماله تعلي قيمة حضارية كبرى هي “الصراع من أجل الحرية”، وهو أمر لم يأخذ حقه من الدراسة. أما عن معظم الدراسات السابقة له، فهي دراسات سريعة لم يأخذ محفوظ حقه فيها، حتى في الدراسات الأكاديمية. كما أن هناك عيوباً كثيرة نالت تلك الدراسات، منها هيمنة المنهج الواحد والتكرار الموضوعي والتحليلي، فضلاً عن التركيز على الأعمال المشهورة فقط له، إضافة إلى ضعف التحليل. ولعله من الممكن أن تنقل الدراسات الحديثة الروايات المحفوظية ذات البعد الفلسفي إلى خشبة المسرح، فالمعالجة المبتكرة قد تدفع نحو تحويل بعض أعمال محفوظ إلى خشبة المسرح أي “مسرحة الرواية”، وسوف تنال تقديراً فائقاً، فالقارئ متعطش للجديد.

