الاحلام تتناثر في قصص “يعبر الزمن على دراجة”

4


حسين منصور يعري واقعا اجتماعيا ينخر فيه الفساد

عبد الكريم الحجراوي


الدراجة بريشة فيارا بيسكوفا (صفحة الرسامة – فيسبوك)

ملخص
توظف مجموعة “يعبر الزمن على دراجة” للقاص المصري حسين منصور الحلم لكشف التيه الوجودي واللايقين وانهيار العالم الاجتماعي. تتحول الأحلام إلى جغرافيا كابوسية تتفكك فيها الحدود بين الواقع والخيال، لتصور معاناة الإنسان المعاصر وصراعه مع قيود الزمن والمكان والمجتمع.

شكلت الأحلام عنصراً محورياً في السرد العربي، اصطلح نقدياً على تسميتها “أدب المنامات”. ظهر توظيفها أدبياً مع الوهراني في “مناماته”، إلى جانب حضورها الفاعل في كتب التراث والسير الشعبية، مثل “سيرة حمزة البهلوان”. ومع بزوغ الأدب العربي الحديث، اتخذ الحلم أبعاداً سردية وجمالية أكبر، فاستثمرته القصص والروايات، بخاصة عند نجيب محفوظ الذي أفرد للأحلام مساحة كبيرة في أعماله، مثل “رأيت فيما يرى النائم”، و”أحلام فترة النقاهة”، و”أصداء السيرة الذاتية”، و”الأحلام الأخيرة”، فضلاً عما تناثر من نصوص حلمية في مجموعاته القصصية الأخرى ورواياته. واستمر هذا التوظيف في التجارب المعاصرة، ومن أحدث تجلياته مجموعة “يعبر الزمن على دراجة” (بيت الحكمة) للقاص المصري حسين منصور، التي تستمد عالمها من الحلم بطابعه السريالي، حيث تتبدل الأطر الزمانية والمكانية وتتفكك العلاقات المنطقية، كاشفاً عن رؤية كابوسية للواقع المعاش.

انعتاق من الواقع

تتخذ الأحلام داخل المجموعة صوراً متعددة، فتأتي علامة على التحرر واتساع الخيال في مواجهة ضيق الأطر الأرضية. يتجلى ذلك في قصة “يعبر الزمن على دراجة”، وهي عن طفل مولع بحكايات الأحلام، يجد في إنصات والده مساحة آمنة للسرد والتخيل؛ “لم يكن أبي يراجعني في حلم قصَصْته أو حكاية حكيتها مهما كانت غريبة” (ص31). تتحول هذه العلاقة السردية إلى لعبة، يتماهى فيها الأب مع خيال ابنه، مطالباً إياه بالمزيد من الحكايات، في محاولة واعية للانفلات من عالم الكبار الذي يقيد الحرية ويكبح المخيلة.

وفي قصة “رأيت ما لا ترون”، يهرب السارد من زحام الشوارع ويحلق نحو السماء، وحين يعود ليخبر الناس بما رآه، يوصم بالجنون، ولا تجد شهادته تصديقاً سوى لدى طفلة تمنحه أمنية لتوصيلها إلى أمها التي صعدت إلى السماء. فالأحلام في هذه القصة وسيط رمزي يزيح الحواجز بين العوالم المتقابلة، عالم الأرض وعالم السماء، عالم الأحياء وعالم الأموات، قادرة على اختراق المألوف وفتح قنوات تواصل تتجاوز منطق الواقع وقوانينه.

يستمر فعل التحرر في قصة “نجمة بين كفيه”، وفيها يفر طفل من سلطة أبيه شديد البخل، ليرى نفسه في حلم يقظة محلقاً في السماء، وينظر إلى الكادحين في الأسفل ضاحكاً، وكأنه في استراحة من أعباء العمل في الحقل، “استمر أبي يهتف من مكانه: استعد لتسوق الحلوفة قبل أن تضيع نوبة الري وتعطش الأرض ونجوع” (ص53). في قصة “أن تبقى دائماً تحت”، تنفلت الروح أيضاً من ثقل الجسد، متحررة من قيوده الأرضية. تحكي القصة عن مريض كان على موعد مع صديقه الطبيب في مكانه “تحت” الأرض، لكنه يتأخر في انتظاره، فيقرر العودة. يفاجأ بأن السلم المؤدي إلى الأعلى يضيق، ولا يسمح له بالصعود، فتنسلخ روحه عن جسده الذي يبقى ساكناً على الدرج. تمضي الروح في فضاء منعش، تبتسم لكل من تصادفه بعد أن تحررت من أعباء الحياة المادية. وتنتهي القصة بسؤال مفتوح، هل تعود الروح إلى “تحت”، إلى الجسد المحكوم بالبقاء في السرداب، أم تواصل طريقها في عالمها الجديد؟

عالم الأشباح

تقدم المجموعة عالم الأرواح، وفقاً للاعتقاد الشعبي السائد في القرى، حول بقاء أشباح القتلى. قصة “أنا… افتحي”. عن حارة اعتاد سكانها أن يخلوها ليلاً لأشباح القتلى، كي يمارسوا طقوسهم التي ألفوها في حياتهم قبل الرحيل. ترسم القصة مسرحاً لأحداث عجائبية، تتقاطع فيها مصائر “عفريت” عم شاكر الغفير، حارس الحارة الذي قُتل غدراً، وتوفيق الذي قتل ابن أخيه لطفي طمعاً في الميراث، فأصابته لوثة انتهت بانتحاره. وفي مقابل هذا العالم الشبحي، ينكفئ الأحياء داخل بيوتهم، موصدين الأبواب خشية الاختلاط بالأرواح.

يسمح الغفير للطفي بالمرور على رغم تأخره، ويأمر عمه توفيق أن يفسح له الطريق، ليصل إلى دار أمه ويطرق بابها مطالباً إياها أن تفتح. غير أن “الجدة” تحذرها “إياك أن تخرجي أو تقتربي من الباب، أطفئي المسرجة حتى لا تحرقيه وتحرمينا من صونه إلى يوم الدين” (ص82). في هذه القصة تنزاح الحدود الفاصلة بين عالم البشر والأشباح لكن بما يحفظ لكل عالم قواعده ويرفض التماهي بين العالمين.

طابع سريالي

وفي بعض الأحلام القصصية الأخرى، يبرز الطابع السريالي القائم على التحولات المفاجئة وتهشيم منطق السببية، كما في قصة “تعويذة للنزف”. تبدأ القصة بطعنة غامضة يوجهها الجار إلى السارد من دون سبب، فيصرخ وهو يحمل أمعاءه طالباً النجدة، يفاجأ ببرود جماعي، ولا يجد تعاطفاً من الزوجة أو الأولاد أو المارة. وحين تصل سيارة الإسعاف، تتحول إلى عربة يجرها حمار، تلقي به في مكان يسكنه طلبة مغتربون. ومن هناك ينزلق السرد فجأة إلى زمن آخر، فيرى السارد نفسه في منزله القديم يعد طعام الإفطار لأمه وإخوته، لكنه يكتشف أن المطاعم كلها مغلقة. وينتهي الحلم بصورة رجلٍ يغربل الردم باحثاً عن يده المدفونة داخله. تحولات عبثية تصنع مناخاً كابوسياً، يبين اغتراب الفرد في العصر الحديث ووحدته في مواجهة الألم، وانهيار شبكات التضامن الاجتماعي.

في قصة “دمى قاتلة” تتكئ الجملة السردية على عبارات ترجيحية واحتمالية من قبيل: “في ساحة تشبه المطار أو هو مطار حقيقي”، “ربما”، “ممكن”، “يابس قليلاً”، “كأنه حاجز”، “باب وهمي”. ويتكرر هذا المنحى في قصة “ربما صرت شبحاً”، حيث تتوالى مفردات الشك والتشبيه وعدم التعيين: “كأنه حي السيدة زينب أو السيدة نفيسة، لا أذكر، يشبه، لا أدري، ربما، لا أعرف، لا أفهم”. صياغات تتماشى مع طبيعة الأحلام التي غيب فيها اليقين وتتمتع بسيولة مطلقة زمانياً ومكانياً من دون حبكة مفهومة.

أسئلة قلقة

عبرت الأحلام عن البعد الوجودي الذي يكتنف قصص المجموعة، عبر أسئلة قلقة يرددها السارد بلا انقطاع: “إلى متى سأظل هكذا؟ الطريق لا ينتهي… إلى أين؟ لا أدري. لماذا أنا هنا؟ ماذا أريد؟ كيف سأرجع إذا كان الطريق مرسوماً للذهاب فقط؟” (ص15). أسئلة لا تبحث عن إجابات بقدر ما تكشف عن مأزق وجودي مستمر.


قصص تشيخوف الكاملة مترجمة عن الروسية في 10 مجلدات
ومن أكثر التيمات تكراراً في هذه القصص الحلمية، ظاهرة “التيه”، التي يعاني منها السارد في أكثر من نص. ففي “ميدان على سريري”، يبدأ التيه من مساحة حميمة ومغلقة، البطل بجوار حبيبته في حجرته، وما إن ينفصل عنها ليحضر شيئاً من المطبخ يفقد القدرة على تحديد الحجرة أو الاهتداء إلى موضعها، ويرى نفسه تائهاً في مدينة واسعة، “يسير دائماً من دون وصول”. ويتحول الانتقال البسيط من غرفة إلى أخرى إلى انزلاق وجودي من الخاص إلى العام، من الأمان إلى الضياع. ويتكرر التيه في قصة “ربما صرت شبحاً”، إذ يرى السارد نفسه في مكان يعجز عن تحديد كنهه بدقة، فيخمن أنه حي السيدة زينب أو السيدة نفيسة لكثرة الأضرحة فيه. يبحث عن ميدان يظن أن الوصول إليه سيمكنه من العودة إلى بلده. غير أن بحثه يقوده إلى حارة مسدودة، ليتساءل بمرارة: “متى ينتهي هذا التيه؟” (ص65). ويجد نفسه بعدها داخل بيت قديم مغلق، قبل أن يصحو من نومه ليخرج “من التيه وضيق الأزقة والبيوت ويسلم نفسه إلى صوت العيال وصراخ أمهم” (ص66)، أي ينتقل من تيه نفسي فردي إلى تيه واقعي اجتماعي أوسع وأكثر قسوة.

تتواصل حالة التيه في قصة “تلفون رمادي بقرص”، يفشل السارد في الوصول إلى العنوان الذي يحمله، وفيه ينتظره الأصدقاء، وتنتهي محاولاته المتكررة إلى الفراغ، فلا يعثر على المكان ولا على من ينتظرونه. ويتجلى التيه بصورة أكثر حدة في قصة “الصمت القاتل والظلام”، يصرخ السارد عارياً في الشوارع: “أنا تائه، أريد العودة إلى بلدنا ولا أعرف كيف جئت إلى هنا” (ص121). يطارده الأطفال في الطرقات، فيطرق باب أول بيت يقابله هرباً، فينتهي به المطاف في صمت قاتل وظلام دامس.

تكشف قصة “علبة صفيح صدئة”، بطابعها الكابوسي عن صورة أكثر شمولاً لانهيار العالم بأكمله، ينتشر الصدأ في كل مكان إشارة إلى انتشار الفساد. تتعثر دراجة السارد في بالوعة مفتوحة، فيسقط في برك من وقود السيارات والزيت المستعمل، في رحلة انحدارية تقوده إلى محطة قطارات مدينة مزدحمة، تقع داخل نفق معدني مظلم شحيح الضوء. هناك، يغطي الصدأ كل شيء، ويظهر العالم مهترئاً تماماً، حتى إن حوادث القطارات أصبحت أمراً عادياً لا يستدعي الصراخ، يتحول الناس إلى كتل جامدة تتدحرج في السلالم كتماثيل من خردة، تحيط بها الأنقاض من كل جانب. ويقف السارد متسائلاً: “أنظر في الفتحة الثانية البعيدة للنفق متسائلاً عن كيفية الخروج من علبة الصفيح الضيقة الصدئة التي انهارت وصارت مقبرة لأشياء وأناس ميتين أو في طريقهم للموت”. وهو ما يمكن تفسيره بأنه تمثيل حجاجي لرؤية الكاتب لطبيعة الواقع الاجتماعي المعاصر في مصر وما آلت إليه الأمور انسداد الأفق، وفقدان المعنى وحياة كابوسية لا تتيح مخرجاً تحول الحياة اليومية إلى مسار دائري من التيه والانهيار يصعب الخلاص منه.

التعليقات معطلة.