العبث الإسرائيل في الدروز ليكون الفاصل بين سوريا وإسرائيل

6

 

ونقطة عبث جديدة

 

في كل مرة تقترب فيها المنطقة من لحظة توازن هشّ، تندفع إسرائيل لفتح “نقطة عبث” جديدة، تُربك الجغرافيا وتُفجّر التاريخ، وكأن الاستقرار عدوّ استراتيجي يجب كسره قبل أن يكتمل.

اليوم، تعود الفكرة القديمة بثوبٍ أكثر خطورة: إقليم درزي يُراد له أن يكون حزامًا فاصلًا بين سوريا وإسرائيل، لا حمايةً للأقليات كما يُسوق، بل تفكيكا للدولة، وتقطيعا للهوية، وإعادة هندسة للخرائط تحت عنوان “الأمن”.

ليست هذه الفكرة وليدة اللحظة، ولا نابعة من حرصٍ مفاجئ على الدروز، بل امتدادٌ لعقيدة إسرائيلية راسخة تقوم على مبدأ: الأطراف أولًا. دعم الهويات الفرعية، تغذية المخاوف، وتحويل الجماعات التاريخية إلى كيانات سياسية معزولة، تُستخدم كجدران عازلة بدل أن تبقى جسورًا وطنية.

ما يُخطَّط له اليوم في الجنوب السوري، ليس إقليمًا بقدر ما هو منطقة عزل سياسي وأمني، تُفصل سوريا عن محيطها، وتُبعد الجبهة عن إسرائيل، وتفتح في الوقت ذاته بابًا دائمًا للفوضى. فالإقليم المقترح لا يملك مقومات الحياة، ولا سيادة القرار، بل يعتمد في وجوده على الحماية الخارجية، ما يجعله رهينة دائمة للتدخل والابتزاز.

الأخطر في هذا المشروع أنه يضرب التاريخ الوطني للدروز أنفسهم. هذه الطائفة التي كانت، عبر قرنٍ كامل، جزءًا أصيلًا من النسيج السوري والعربي، ومكوّنًا وطنيًا قاتل دفاعًا عن الأرض لا عنها وحدها، يُراد اليوم اختزالها في كيان وظيفي، منزوع العمق، ومفصول عن تاريخه الطبيعي.

إسرائيل تدرك أن تفكيك سوريا لا يتم فقط بالسلاح، بل بإعادة تعريف الهويات. لذلك تُحوِّل “حماية الأقليات” إلى أداة سياسية، وتُلبس المشاريع الأمنية ثوب الحقوق، فيما الهدف الحقيقي هو إنتاج حدود جديدة بلا اتفاقات، ووقائع بلا شرعية.

لكن هذه النقطة، كغيرها من نقاط العبث، تحمل في داخلها بذور فشلها. فالجغرافيا لا تُعاد صياغتها بالإكراه، والهويات التي صمدت أمام قرن من الاستعمار والحروب، لن تُكسر بمخطط أمني. وأي كيان يُبنى خارج الإرادة الوطنية، يتحول عاجلًا أم آجلًا إلى عبء على أهله، لا إلى ملاذٍ لهم.

إن محاولة فرض إقليم درزي كفاصل بين سوريا وإسرائيل، ليست حلًا أمنيًا، بل مغامرة تفكيكية ستُضاف إلى سجل العبث الإسرائيلي بالمنطقة. عبثٌ لا يصنع أمنًا، ولا يُنتج سلامًا، بل يؤجل الانفجار… ويُعمّقه.

في النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح:

الأمن لا يُبنى بتقسيم الجيران، ولا بحشر الأقليات في خرائط مصطنعة، بل بدولٍ مستقرة، وهوية وطنية جامعة، وحدود تحترم التاريخ لا تعبث به.

التعليقات معطلة.