تتبنى الدولة العميقة استخدام الغاز المسال كأداة أساس في السياسة الخارجية إضافة إلى تحجيم الصين
أنس بن فيصل الحجي اقتصادي متخصص في مجال الطاقة @anasalhajji
أدركت الصين أن الإعلام الأميركي يروج لفكرة إغلاق مضيق هرمز وبهذا لا تستطيع الحصول على الغاز المسال القطري (أ ف ب)
ملخص
أسهمت الحروب والعقوبات الأميركية في تغيير مسارات أسواق الطاقة العالمية على مر العقود، ولكن ما نراه الآن في عهد الرئيس دونالد ترمب يعد تغيراً تاريخياً كبيراً سيؤثر في أسواق الطاقة لعقود طويلة.
كل رئيس أميركي غيّر خريطة الطاقة العالمية وبطرق عدة على مدى 55 عاماً مضت، وبعض التأثيرات موقتة وبعضها دائم، فأثر بعضها في الطلب على الطاقة، وأثر بعضها في معروض الطاقة، وبعضها أثر في الاثنين معاً.
كانت أكبر التغيرات التاريخية التي أحدثتها السياسات الأميركية في أسواق الطاقة في عهد نيكسون وفورد، إذ نتج منها تحول كبير عن النفط وبخاصة في قطاع الكهرباء لمصلحة مصادر الطاقة الأخرى، وتحديداً الفحم والطاقة النووية، كما جرى التوجه نحو زيادة كفاءة الطاقة بما في ذلك محركات السيارات، وجرى تحديد السرعات على الطرق السريعة بحجة المقاطعة النفطية التي قامت بها بعض الدول العربية أثناء حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وقد أسهمت الحروب والعقوبات الأميركية في تغيير مسارات أسواق الطاقة العالمية على مر العقود، ولكن ما نراه الآن في عهد الرئيس دونالد ترمب يعد تغيراً تاريخياً كبيراً سيؤثر في أسواق الطاقة لعقود طويلة، كون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم، وأكبر مصدر للغاز المسال في العالم، ومن أكبر مصدري النفط، وهي الدولة التي تفرض حظراً كما تشاء وعلى من تشاء، وتفرض ضرائب جمركية وتشن الحروب التجارية وتقوم بمهاجمة دول أخرى، والإشكال هنا حول ما إذا كانت سياسات الرئيس ترمب أم أنها سياسات الدولة العميقة؟ وهذا محل خلاف، ولكن من الواضح أن الدولة العميقة تتبنى أمرين في مجال الطاقة سيبقى أثرهما لفترة طويلة، أولاً استخدام الغاز المسال كأداة أساس في السياسة الخارجية، وهذا يتضمن تحجيم الغاز الروسي وأي غاز ينافس الغاز الأميركي، وثانياً تحجيم الصين وهذا يتطلب السيطرة على منابع الطاقة للتحكم في واردات بكين منها.
ولكن هناك أموراً مختلفاً فيها مثل رغبة ترمب في إبقاء أسعار النفط منخفضة وهجومه الكبير على منصات الرياح البحرية، وموقفه من السيارات الكهربائية ورغبته في ملء المخزون الإستراتيجي النفطي بالكامل، وسياسات ترمب في هذا المجال مؤثرة ولكن قد تنتهي مع قدوم رئيس جديد، أضف إلى ذلك أن رغبة الرئيس في زيادة إنتاج النفط الأميركي تتناقض مع واقع حقول النفط الصخري من جهة، ورغبته في إبقاء أسعار النفط منخفضة، وقد ذكرت في مقالة العام الماضي أن ترمب لا يستطيع زيادة إنتاج النفط الأميركي بصورة كبيرة لأسباب عدة أهمها أن معدلات النضوب العالية في آبار النفط الصخري تعني أن معظم الاستثمارات المستقبلية ستذهب للتعويض عن معدلات النضوب، وتغير هيكل الصناعة بعد سيطرة عمالقة الشركات النفطية على النفط الصخري، فثورة الصخري بدأتها شركات صغيرة ومتوسطة، وبسبب الملكية الخاصة للموارد في الولايات المتحدة فقد انتشرت الشركات الصغيرة التي كان هدفها حفر الآبار وزيادة الإنتاج ورفع الاحتياطات لتقوم الشركات الأكبر بشرائها، وهذا تطلب حفر مزيد من الآبار، ومع سيطرة الشركات الكبيرة فقد انتهى هذا النموذج، ومن ثم فليس هناك حاجة إلى حفر أعداد كبيرة من الآبار كما في الماضي، وهذا أحد أسباب انخفاض عدد الحفارات، إضافة إلى الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة، إذ يتفق المحللون على أن الفائدة الصفرية او القريبة من الصفر أسهمت في زيادة الاستثمارات في قطاع الصخري مما أسهم في زيادة الإنتاج.
ومن الأسباب كذلك انخفاض أسعار النفط، إذ يتفق المراقبون على أن الارتفاع الكبير في أسعار النفط بين عامي 2006 و2008، ثم ارتفاعها مرة أخرى فوق 100 دولار بين عامي 2011 و2014 أسهم في زيادة إنتاج النفط الصخري، فالأسعار المنخفضة لا تشجع على استثمارات كبيرة الآن.
الغاز المسال والأمن القومي الأميركي
مع بداية التسعينيات من القرن الماضي كان هناك اقتناع تام بأن الغاز بدأ بالنضوب داخل الولايات المتحدة، وبأن على واشنطن استيراد مزيد من كندا واستيراد كميات متزايدة من الغاز المسال، فزاد الاهتمام بقطر وبدأ بناء محطات الغاز المسال فيها بمشاريع مشتركة بين الشركات الأميركية مثل “إكسون” و”كونوكو”، وبدأت الولايات المتحدة بتطوير عدد كبير من محطات إعادة التغويز استعداداً لاستقبال الغاز المسال القطري، ومعه جرى الاتفاق على بناء قاعدة عسكرية أميركية في قطر، أحد أهدافها حماية منشآت الغاز المسال التي تصدر الغاز إلى الولايات المتحدة، ولذلك فالعلاقة بين الغاز المسال والأمن القومي الأميركي قديمة حتى عندما كانت الولايات المتحدة دولة مستوردة.
ثورة الغاز الصخري غيرت الموازين، وأول تغير حصل هو وقف استيراد الغاز المسال من قطر ومن دول أخرى، إذ بدأت الشركات تتحدث عن بناء محطات تسييل لتصدير الغاز، ولاقت هذه الأفكار ترحيباً من الدولة العميقة داخل الولايات المتحدة التي رأت أن روسيا تتحكم في إمدادات الطاقة في أوروبا، ومن ثم تعارض مصالح بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا مع مصالح الولايات المتحدة في القارة العجوز، وباختصار فإن من يتحكم بضخ الطاقة إلى دول ما يتحكّم بها، ولذلك وجدت الدولة العميقة فرصتها الذهبية عندما قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بغزو جزيرة القرم الأوكرانية ثم ضمها رسمياً لروسيا عام 2014، فاتخذ قرار بدعم محطات الغاز المسال الأميركية بهدف إحلال الغاز الأميركي محل نظيره الروسي في أوروبا، وبدأ الغاز المسال الأميركي يغزو الأسواق الأوروبية وبدأ ترمب خلال فترة رئاسته الأولى بالترويج للغاز المسال والضغط على بعض دول القارة العجوز لاستيراده، ثم جاء الرئيس جو بايدن وأكمل المشوار والترويج نفسيهما، والضغط على الدول الأوروبية نفسها، وجاءت الفرصة الذهبية عندما غزا بوتين أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، فكثف بايدن ضغوطه على أوروبا وتوقفت بعض الدول هناك عن استيراد الغاز الروسي، بينما قطعه بوتين عن بعضها الآخر، وتوّجت الجهود الأميركية بالنجاح عندما جرى الضغط على ألمانيا لمنع استيراد الغاز عبر “نورد ستريم-2” الذي جرى وقتها الانتهاء منه حديثاً، وكان بوتين على علم بالخطط الأميركية ولذلك أسرع في بناء الخط لألمانيا، ولكنه لم يدرك كمية الضغوط الأميركية عليها لإيقاف ضخ الغاز في الخط إلا بعد فوات الأوان، وبعد ذلك جرى تفجير أنبوب “نورد ستريم-1 ” في قاع البحر، وبهذا قطعت معظم إمدادات الغاز عن أوروبا وبُنيت مزيد من محطات إعادة التغويز العائمة وبخاصة في ألمانيا، وبذلك انحسرت صادرات الغاز الروسية إلى أوروبا بينما زادت نظيرتها الأميركية حتى أصبحت الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدّر للغاز بعد النرويج، وجرى الضغط على أوكرانيا كي لا تجدد عقد أنبوب الغاز الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا، وتوقف الضخ مع نهاية عام 2024 مما عزز أهمية الغاز الأميركي المسال.
اقرأ المزيد
شركات الطاقة الكبرى تعود للاستثمار في النفط والغاز
النفط يهبط أكثر من 4% بعد تعليقات لترمب عن إيران
طهران وترمب وأسواق النفط
إلى أي مدى تعتمد الصين على النفط الإيراني؟
لكن الولايات المتحدة لم تتوقف عند ذلك ففرضت عقوبات على محطات تسييل الغاز الروسية الجديدة وحظرت الناقلات أيضاً، وبخاصة الكاسحة للجليد، وفيما جرى الحظر تحت غطاء الضغط على بوتين بسبب الحرب في أوكرانيا ولكن الحقيقة غير ذلك، فالحظر المفروض على موسكو لا علاقة له بأوكرانيا وإنما بإستراتيجية بحتة وهي أن الولايات المتحدة ترى أن الغاز المسال أداة مهمة في السياسة الخارجية تخدم الأمن القومي الأميركي، ولهذا فإن كل ما يخفف من أثر هذه الأداة يعد خطراً على الأمن القومي ويجب وقف كل ما يهددها، وقد أدركت الصين الفكرة فقررت وقف واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة منذ عام تقريباً، وزادت واردتها من محطات الغاز المسال الروسية المحظورة، وكذلك قررت خفض واردات الغاز المسال بصوة عامة لأنها تأتي عبر البحر، وجزء كبير منها يأتي عبر مضيق هرمز ومضيق ملقا، ولهذا ركزت على أربع إستراتيجيات وهي:
أولاً: زيادة إنتاج الغاز محلياً وقد نجحت في ذلك.
ثانياً: التركيز على الطاقة المتجددة وبطاريات التخزين كونها مصادر طاقة محلية، وبذلك تسهم في تعزيز أمن الطاقة والأمن القومي.
ثالثاً: زيادة واردات الغاز من روسيا عبر الأنابيب لأنها لا تخضع للغرب.
رابعاً: زيادة واردات الغاز المسال من المحطات المحظورة أميركياً عبر الممر الشمالي حيث الوجود الأميركي محدود قرب اليابان وكوريا الجنوبية فقط.
كذلك أدركت الصين أن الإعلام الأميركي يروج لفكرة إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران وبهذا لا تستطيع الصين الحصول على الغاز المسال القطري، وأن إيران لا تستطيع إغلاق مضيق هرمز حتى لو أرادت فعلاً ذلك، ولكن يمكن للولايات المتحدة أن تغلق مضيقي هرمز وملقا أيضاً، وهو ما نتج منه إحياء مشروع قديم لأنبوب غاز ضخم لاستيراد كميات إضافية من الغاز من روسيا، وأضف إلى كل ما سبق ما حدث في البحر الأحمر، فمنذ أن فرضت “مجموعة السبع” و”الاتحاد الأوروبي” حظراً على واردات النفط الروسي، قامت موسكو بتصدير النفط إلى الهند والصين بكميات كبيرة عبر البحر الأحمر، أما لماذا يمر النفط الروسي عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب من دون أية مشكلات، بينما لا تمر ناقلات الغاز المسال الروسية؟، فالجواب أن نقالات الغاز المسال الروسية تدور حول أفريقيا للوصول إلى آسيا، بينما تدور ناقلات الغاز المسال حول أفريقيا للوصول إلى أوروبا، والسبب أن الغاز المسال الأميركي أصبح أداة مهمة في السياسة الخارجية الأميركية تدعم الأمن القومي، والولايات المتحدة تحمي هذه الأداة مثلما تحمي أية قاعدة عسكرية.
يذكر أنه خلال الفترة الأخيرة مرت أربع ناقلات غاز مسال تحمل الغاز الروسي المحظور عبر البحر الأحمر، وهذه أول الشحنات منذ يناير (كانون الثاني) 2024، ومن غير الواضح إذا كان الهدف هو إثارة الولايات المتحدة ودفعها نحو عمل ما، أو أنها شحنات نادرة، وجميع ما سبق هو جانب واحد فقط من التغيرات في خريطة الطاقة العالمية، ولكن الحقيقة أن هناك جوانب أخرى عدة في حروب الغاز المسال.

