غرينلاند وطموح ترامب المتعارض

5

 

 

في السياسة الدولية، لا تُقاس الأفكار بمدى غرابتها، بل بقدرتها على كشف ما وراءها. ومن هذا المنطلق، لم يكن طرح دونالد ترامب لفكرة “شراء غرينلاند” مجرّد نزوة سياسية أو تصريحًا عبثيا عابرا، بل نافذة مكشوفة على طبيعة تفكيرٍ استراتيجيّ يرى العالم بوصفه صفقة، والجغرافيا بوصفها أصلًا قابلًا للتملّك.

غرينلاند، الجزيرة القطبية الشاسعة التابعة لمملكة الدنمارك، ليست قطعة جليد مهجورة كما قد يتخيّل البعض. إنها موقع جيواستراتيجي بالغ الحساسية، تختزن ثروات معدنية نادرة، وتتحكم بممرات مستقبلية تزداد أهمية مع ذوبان الجليد وتحوّل القطب الشمالي إلى ساحة تنافس دولي مفتوحة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.

ترامب: من منطق الدولة إلى منطق الصفقة

تعاطي ترامب مع غرينلاند عكس فلسفته السياسية العامة: تبسيط معقّد للعلاقات الدولية، واختزال السيادة والتاريخ والقانون في معادلة ربح وخسارة. فهو لا يرى التحالفات إلا من زاوية “ما الذي سندفعه؟ وما الذي سنحصل عليه؟”، ولا يرى الجغرافيا إلا بوصفها امتدادًا للأمن القومي يمكن شراؤه كما تُشترى شركة متعثّرة.

لكن هنا تحديدًا يتجلّى التعارض. فغرينلاند ليست أرضًا بلا شعب، ولا ورقة بلا ذاكرة. إنها كيان يتمتع بهوية محلية، وتاريخ مرتبط بالسيادة الدنماركية، وواقع قانوني دولي لا يمكن تجاوزه بتغريدة أو تصريح انتخابي.

أوروبا: رفض هادئ ورسالة قاسية

الرفض الدنماركي – والأوروبي عمومًا – لم يكن انفعالياً، بل محسوبًا. رسالة واضحة مفادها أن زمن الصفقات الاستعمارية قد انتهى، وأن الحلفاء لا يُعاملون كعقارات قابلة للبيع. وهنا اصطدم طموح ترامب بجدارٍ صلب: أوروبا التي تقبل بالشراكة، لكنها ترفض الوصاية، وتفهم الأمن المشترك بمنطق التوازن لا بمنطق التملّك.

ما وراء الفكرة: القطب الشمالي كساحة صراع

الأهم من الفكرة نفسها هو ما تكشفه: الولايات المتحدة، حتى في عهد الانعزال الخطابي، لم تتخلَّ عن هواجسها الكبرى. القطب الشمالي يتحول تدريجيًا إلى مسرح تنافس على الطاقة، والمعادن النادرة، والممرات البحرية، والهيمنة العسكرية. وطرح ترامب، رغم فجاجته، عبّر عن قلق أمريكي حقيقي من تمدد روسي وصيني صامت في تلك المنطقة.

الخلاصة

غرينلاند لم تكن يومًا “مشروع شراء”، بل مرآة عكست تعارضًا عميقًا بين منطق الدولة الحديثة ومنطق رجل الأعمال في السياسة. طموح ترامب اصطدم بحقائق الجغرافيا السياسية، وبحدود القانون الدولي، وبوعيٍ أوروبيّ يدرك أن السيادة لا تُسعَّر بالدولار.

قد تذهب الأفكار، وتبقى الدلالات. وغرينلاند، في هذه القصة، لم تكن الهدف بقدر ما كانت الدليل.

التعليقات معطلة.