أزمة سد النهضة والتوافق المطلوب

1

منذ آلاف السنين لم يكن نهر النيل بالنسبة إلى المصريين مجرّد مجرى مائي، بل شريان حياة ورمز لهويتهم ووجودهم «مصر هبة النيل»، ومحور حضارتهم وثقافتهم واقتصادهم، كما هو شريان حياة آخر للسودانيين حيث قامت على ضفافه ممالك وحضارات قديمة ازدهرت بفضل مياهه، ويمثّل جزءاً من حياتهم الاقتصادية والثقافية والسياحية، أما بالنسبة إلى إثيوبيا فهو مصدر ثروة هائلة، إلّا أنه في الوقت نفسه يشكّل مصدر خلاف مع دولتَي المصب، مصر والسودان، بسبب شكوكهما ومخاوفهما من تأثير المشاريع الإثيوبية التي تُقام على حصصهما وأهمها «سد النهضة».

سدّ النهضة الإثيوبي المعروف سابقاً باسم «سدّ الألفية الكبير»، هو سدّ على النيل الأزرق في إثيوبيا. بدأ إنشاؤه عام 2011، ويقع في منطقة إقليم بنيشنغول-قماز الإثيوبي على بُعد نحو 15 كيلومتراً (9 أميال) شرقاً من الحدود الإثيوبية-السودانية، ويبعد أكثر من 2500 كيلومتر (1600 ميل) من مصر. وُضع حجر الأساس له في 2 أبريل (نيسان) 2011. وأعلنت إثيوبيا أن الهدف الأساسي من إنشاء السدّ الذي يبلغ عرضه 1.8 كيلومتر، وارتفاعه 145 متراً، هو توليد الكهرباء لتعويض النقص الحاد من المياه في إثيوبيا، بالإضافة إلى تصديرها إلى البلدان المجاورة. ومن المتوقّع أن يصبح السد أكبر محطة للطاقة الكهربائية في أفريقيا وسابع أكبر محطة في العالم، بقدرة إنتاجية مخططة تبلغ 6 آلاف و450 ميغاواط من الطاقة الكهربائية، مع قدرة تخزينية قصوى تصل إلى 74 مليار متر مكعّب من المياه. هذا، وقد بدأ ملء الخزان في يوليو (تموز) 2020، ومن المتوقّع أن يستغرق اكتماله ما بين 5 و15 عاماً، وذلك وفقاً للظروف الهيدروليجية خلال فترة الملء، والاتفاقات بين مصر والسودان وإثيوبيا.

في 9 سبتمبر (أيلول) 2025، بعد أربعة عشر عاماً، افتتحت إثيوبيا رسمياً سدّ النهضة، وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي أن السدّ يمثّل مشروعاً استراتيجياً للتنمية وتوليد الطاقة الكهربائية. وشدّد أمام القادة الأفريقيين على أن السدّ جاء لإنارة ملايين المنازل ودعم التنمية، وأنه لا يهدف إلى الإضرار بمصر والسودان.

تدشين بدء تشغيل سد النهضة رسمياً فتح ملف الخلاف مع دولتَي المصب، مما يضع الدولتَين أمام واقع جديد يفرض إعادة حسابات استراتيجية بشأن الأمن الغذائي وخيارات التعامل مع هذا الواقع. لذا، تشهد العلاقات بين البلدان الثلاثة (مصر وإثيوبيا والسودان) توتراً شديداً حالياً بسبب هذا السد، حيث تشعر مصر بأن حقوقها المائية انتقصت إزاء ملء إثيوبيا السد من جانب واحد، وهي التي تعتمد على مياه النيل بنسبة 97 في المائة تقريباً في ريّ مشروعاتها واحتياجات مواطنيها، عادّةً إياه تهديداً مباشراً لأمنها المائي مع استمرار مساعيها لحلّ تفاوضي، فيما يذهب السودان إلى مزيج من المخاوف والفرص، لكنه ينظر بعين القلق إلى الآثار الكارثية التي من المؤكد أن تحصل في حال كان التشغيل أحادي الجانب فيما يتعلق بفتح البوابات وإدارة منسوب المياه بما يؤثر على السدود السودانية (مروي والروصيرص وغيرهما…) في ظلّ انعدام الاتفاق القانوني الملزم، إلا أنه يثمّن في الوقت ذاته الفوائد المحتملة للسدّ في تنظيم تدفّق النيل وحجز الطمي وتعدّد الدورات الزراعية.

في عام 2019، اعترضت مصر على بناء السدّ بسبب خشيتها من أنه سيقلّل كمية حصّتها من مياه النيل، وأعلنت أن المحادثات بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم بشأن سدّ النهضة وصلت إلى طريق مسدود بسبب تشدّد الجانب الإثيوبي، مطالبة بتدخل وسيط دولي في المفاوضات.

في الواقع، فيما يتعلق بتشغيل السدّ وضمان استمرار تدفق المياه وتأمين حصتَي الدولتَين، تجب المطالبة بـ«اتفاق قانوني ملزم» بسبب تضارب المصالح لنهر دولي عابر للحدود، وبالتالي تنطبق عليه قواعد القانون الدولي، حيث يرى السودان أن التحكّم في تدفقات المياه يشكّل تهديداً لأمنه المائي وتشغيل سدوده القريبة. وتعدّ مصر أن السد بحدّ ذاته يشكل تهديداً وجودياً لاعتمادها على النيل، مصدرها الرئيسي والأساسي، لتأمين نحو 97 في المائة من احتياجاتها المائية، في حين تصفه إثيوبيا بـ«حلم وطني». ولكي يتم الاتفاق على آلية تشغيل مشترك، على الفرقاء الثلاثة إعادة تموضع جديد، سياسياً وقانونياً ودبلوماسياً، مما يجعلها قضية محرجة ومعقّدة، ينتشر تأثيرها محلياً وإقليمياً ودولياً، مع وجود تداعيات سلبية محتملة مثل الري ومياه الشرب على دولتَي المصب (مصر والسودان)، وإيجابية بتحقيق إيرادات بمليار دولار أميركي سنوياً من الكهرباء للاقتصاد الإثيوبي.

لكن سيناريوهات كثيرة تعود بنا إلى لبّ المشكلة وعمقها: هل هي أزمة عداوات تاريخية أم صراع جيوسياسي أم أزمة تنمية وإدارة موارد؟!

التعليقات معطلة.