بسبب النفط.. العراق يكافح لتغطية العجز المالي

2



شفق نيوز- بغداد

تشهد الموازنة العراقية وضعاً مالياً حساساً نتيجة الاعتماد شبه الكامل على عائدات النفط، فيما تستمر أسعار الخام في التقلب وسط ضغوط سياسية وجيوسياسية إقليمية.

ويؤكد خبراء اقتصاديون وماليون أن العراق يواجه تحديات مزدوجة، عجز مالي متوقع في الموازنة العامة وصعوبة في تمويل المشاريع التنموية، في ظل انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية وزيادة المخاطر الإقليمية.

وتتضاعف المخاطر المالية بسبب التأخر في صرف الموازنات السابقة، وعدم تمويل المحافظات بالمخصصات المقررة، ما أدى إلى تلكؤ تنفيذ المشاريع، إضافة إلى أن الاعتماد الأحادي على النفط يجعل الاقتصاد العراقي رهينة لأي تقلبات في الأسواق الدولية أو الأزمات السياسية.

الموازنة والعجز

وفي هذا السياق، يقول العضو السابق في اللجنة المالية النيابية، معين الكاظمي، إن “الموازنة الثلاثية التي أُقرت عام 2023 لم تُصرف للمحافظات كما هو مقرر بشكل قانوني، والحكومة لم تمول المحافظات بتخصيصاتها، وهذه مخالفة صريحة لقانون الموازنة، إذ تُعتبر التخصيصات استحقاقاً لسكان المحافظات حسب النسب السكانية”.

ويضيف الكاظمي لوكالة شفق نيوز أن “هناك قصوراً في الأعوام 2023 و2024 و2025، مما أدى إلى تلكؤ المشاريع، ونحن الآن في عام 2026، وتوقع أن يستمر تشكيل الحكومة حتى نهاية شباط/ فبراير قبل تقديم موازنة 2026، التي ستتضمن تنمية الأقاليم، إلا أن شحة السيولة ستبقى مؤثرة على تمويل استحقاق المحافظات والوزارات”.

ويشير إلى أن “انخفاض الإيرادات النفطية يشكل تحدياً كبيراً، فإذا بلغ سعر البرميل 60 دولاراً على صادرات يومية تبلغ 3.5 ملايين برميل، فإن إيرادات النفط لعام 2026 ستصل إلى 70 مليار دولار، أي نحو 100 تريليون دينار، بينما حاجة العراق لا تقل عن 150 تريليون دينار لتغطية المصروفات التشغيلية والاستثمارية، بما فيها مشاريع تنمية الأقاليم”.

ويلفت الكاظمي إلى أن “الحكومة المقبلة مضطرة للعمل على زيادة الإيرادات غير النفطية ووضع خطة عمل وبرنامج شامل مع توافق سياسي وتفهم شعبي، وتقليل المصروفات التشغيلية غير الضرورية، بما في ذلك رواتب الرئاسات الثلاث، ومع ذلك سيبقى هناك عجز يقدر بنحو 30 تريليون دينار”.

المشاريع المتأثرة

بدوره، يقول الخبير المالي، ضياء محسن، إن “أي عجز مالي سيؤدي بالضرورة إلى تقليل الصرفيات في الموازنة الاستثمارية، خاصة أن العراق لا يملك إيرادات غير النفطية كافية، والأسواق النفطية حالياً تعاني من تخمة المعروض، ما يدفع الأسعار للانخفاض وبالتالي تقل الإيرادات”.

ويوضح محسن لوكالة شفق نيوز أن “الموازنة العامة تتكون من شقين تشغيلي واستثماري، والشق الاستثماري أكثر تعقيداً، إذ تعتمد المشاريع على عوائد مستقبلية قد تتحقق فقط بعد تنفيذها، على عكس الموازنة التشغيلية التي تمثل نفقات غير مستردة وتشكل العبء الأكبر”.

وبحسب محسن فإن “الحكومة ارتكبت خطأ كبيراً عند إدراج مشاريع بهذا الحجم دون أخذ الاحتياطات اللازمة لاحتساب سعر النفط أو وجود احتياطي في حال انخفاضه عن المتوقع، ما وضع العراق في مأزق بعد انخفاض أسعار النفط إلى أقل من 60 دولاراً، الأمر الذي يضطر الحكومة والمحافظات إلى توقيف المشاريع مؤقتاً أو إلغاء الجزء الأكبر منها وتوجيه الأموال المتوفرة إلى مشاريع ذات نسب إنجاز عالية”.

الجيوسياسة النفطية

من جانبه، يقول الخبير في شؤون النفط العراقي، حمزة الجواهري، إن “أسعار النفط انخفضت نحو 5 دولارات مقارنة بما كانت عليه قبل أسبوعين أو ثلاثة بسبب التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، لكن تأثير ذلك على المستقبل غير معروف، إذ إن أسعار النفط لا تحددها حاجة السوق الفعلية، بل التأثيرات السياسية وتدخلاتها”.

ويضيف الجواهري لوكالة شفق نيوز أن “المنطقة كلها على حافة الحرب، وربما تمتد لتصبح عالمية، لذا فإن الأسعار تتأثر بالسياسة أكثر من الاقتصاد، وأي زيادة في أسعار النفط قد تكون إيجابية للعراق، لكن لا أحد يمكنه التنبؤ باستمرارها أو تراجعها”.

ويحذر من أن “أي غلق لمضيق هرمز سيؤدي إلى كارثة اقتصادية للعراق والمنطقة والعالم، ما يعكس هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الأحداث الجيوسياسية”.

الاستراتيجية الاقتصادية

من جهته، يبرز رئيس مركز العراق للطاقة، فرات الموسوي، أن “تقلبات أسعار النفط العالمية ليست مجرد حركات في السوق، بل صدمة مباشرة للاقتصاد العراقي، الذي تعتمد موازنته بأكثر من 90% على الإيرادات النفطية، ما يجعل كل دولار زيادة أو نقصان في سعر البرميل يترجم فوراً إلى مليارات العوائد أو الخسائر”.

ويوضح الموسوي لوكالة شفق نيوز: “على سبيل المثال، عند سعر 80 دولاراً للبرميل، ومع صادرات تقارب 4 ملايين برميل يومياً، يحقق العراق إيرادات سنوية تتجاوز 115 مليار دولار، لكن إذا انخفض السعر إلى 50 دولاراً، فإن الإيرادات تهبط إلى نحو 72 مليار دولار، أي خسارة تقارب 43 مليار دولار في عام واحد، ما يؤدي إلى عجز مالي يضغط على قدرة الدولة في دفع الرواتب وتمويل الخدمات وتنفيذ المشاريع التنموية”.

وخلص إلى أن “الاعتماد الأحادي على النفط يجعل الاقتصاد العراقي هشاً، ويحول الموازنة إلى رهينة لقرارات المنتجين الكبار وظروف الطلب العالمي، لذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تنويع مصادر الدخل، واستثمار الغاز المصاحب والطاقة المتجددة، لتقليل الاعتماد على تقلبات سعر النفط”.

التعليقات معطلة.