مشهد لقاء جنيف بين بيكر وطارق عزيز يعود بين ويتكوف وعراقجي: هل نحن أمام النتيجة ذاتها أم أمام زمن مختلف؟

37





 

في السياسة، لا تعود المشاهد التاريخية مصادفة، بل حين تكتمل شروط تكرارها. وما يجري اليوم من حديث عن لقاء مرتقب بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، يعيد إلى الذاكرة فوراً مشهد جنيف الشهير عام 1991، حين جلس جيمس بيكر أمام طارق عزيز، لا للتفاوض الحقيقي، بل لإبلاغ رسالة أخيرة باسم القوة الغالبة.
يومها، لم يكن لقاء جنيف محاولة لتفادي الحرب، بل كان إعلاناً دبلوماسياً عن فشل السياسة وبداية زمن السلاح. كانت واشنطن قد حسمت قرارها، وجاء بيكر ليمنح بغداد فرصة شكلية أخيرة، فيما كان العدّ التنازلي قد بدأ . طارق عزيز لم يذهب ليفاوض، وبيكر لم يذهب ليسمع. كان اللقاء وثيقة سياسية لتبرير ما سيأتي .

اليوم، يعود المشهد بوجوه مختلفة وسياق أكثر تعقيداً. ويتكوف لا يحمل حقيبة حرب تقليدية، وعراقجي لا يمثل دولة محاصَرة بالكامل كما كان العراق، لكن جوهر اللحظة واحد: اختبار الإرادات عند حافة الخيارات القصوى .

السؤال الجوهري هنا ليس: هل هناك مفاوضات؟
بل: هل هناك قرار مُسبق، واللقاء مجرد إخراج دبلوماسي؟
إيران، بخلاف عراق 1991، ليست معزولة كلياً. لديها شبكة تحالفات، وأذرع إقليمية، وقدرة على إرباك المشهد من الخليج إلى المتوسط. لكنها في الوقت ذاته، تواجه استنزافاً اقتصادياً خانقاً، وضغطاً داخلياً متراكماً، وبيئة دولية أقل تسامحاً مع سياسات حافة الهاوية. أما واشنطن، فهي ليست في لحظة نشوة أحادية كما بعد الحرب الباردة، لكنها أيضاً لا تقبل استمرار مشروع نووي يهدد توازن الردع في المنطقة.

هنا يكمن الفارق الدقيق:
لقاء بيكر-عزيز كان في زمن القطبية الواحدة،
أما لقاء ويتكوف-عراقجي فيأتي في زمن ارتباك دولي، حيث لم تعد القوة وحدها كافية، ولا التفاوض وحده مضمون النتائج.

ومع ذلك، فإن التشابه الأخطر يكمن في اللغة غير المعلنة:
شروط قاسية، مهلة ضيقة، ورسائل تقول إن “البدائل معروفة”.
إذا كان لقاء جنيف 1991 قد مهّد لحرب أنهت نظاماً وأدخلت العراق في عقود من الفوضى، فإن أي فشل جديد اليوم لن يقتصر على إيران وحدها. المنطقة بأكملها تقف على خط الزلزال: أسواق الطاقة، أمن الممرات البحرية، خرائط النفوذ، وحتى الدول التي تظن نفسها بعيدة عن النار .

هل نحن أمام النتيجة ذاتها؟
ليس بالضرورة… لكننا بالتأكيد أمام مفترق شبيه.
الاختلاف الوحيد الذي قد يمنع تكرار السيناريو، هو أن كلفة الحرب اليوم أعلى من كلفة التراجع، وأن الخطأ هذه المرة لن يكون محلياً، بل إقليمياً وربما دولياً. أما إذا تحوّل اللقاء إلى مجرد إعادة تمثيل لمشهد جنيف، فإن التاريخ سيكتب فصلاً جديداً بعنوان مختلف، لكن بمضمون واحد: عندما تفشل السياسة، تدفع الشعوب الثمن.
في النهاية، السؤال الحقيقي ليس ما الذي سيقوله ويتكوف لعراقجي، بل:
هل لا يزال في هذه اللحظة متسع لقرار عقلاني… أم أن الرسالة قد كُتبت، واللقاء مجرد توقيع أخير؟

التعليقات معطلة.