“ربما يسأل سائل، لماذا يُقال ضربة على إيران، ولا تُقال حرب؟ وهل المصطلح بريء أم قرار بحد ذاته؟”

10

 

 

 

لماذا يُقال “الضربة” ولا يُقال “الحرب” على إيران؟

 

في قاموس السياسة الدولية، لا تُستخدم الكلمات اعتباطاً. فالمصطلح ليس مجرد توصيف لغوي، بل أداة قرار ورسالة مقصودة. ومن هنا يبرز السؤال: لماذا يتكرر توصيف أي عمل عسكري محتمل ضد إيران على أنه “ضربة” لا ‘حرب”؟ وما الذي تخفيه هذه اللغة الملساء؟

أولاً، لأن كلمة “حرب” تعني ما لا تريد واشنطن ولا حلفاؤها الاعتراف به.

الحرب، في الوعي القانوني والسياسي، تعني التزاماً مفتوحاً، تعبئة داخلية، كلفة بشرية واقتصادية، ومسؤولية أخلاقية أمام الداخل والخارج. أما «الضربة» فهي توصيف رمادي، يتيح استخدام القوة دون الدخول في التزامات الحرب الكاملة، ويمنح صانع القرار هامش إنكار سياسي إذا خرجت الأمور عن السيطرة.

ثانياً، “الضربة” تُستخدم لطمأنة الداخل لا لإقناع الخصم.

الشارع الغربي، خصوصاً الأميركي، مُنهك من حروب الشرق الأوسط. كلمة “حرب” تعني نعوشاً، وميزانيات، وانتخابات خاسرة. أما «ضربة محدودة» فهي تُسوَّق باعتبارها عملاً وقائياً، نظيفاً، سريعاً، بلا تورط طويل الأمد. إنها لغة تسويق سياسي قبل أن تكون توصيفاً عسكرياً.

ثالثاً، لأن الهدف المعلن ليس إسقاط النظام بل ضبطه.

الحرب تعني تغيير نظام أو احتلالاً أو إعادة رسم خرائط. بينما “الضربة” تعني رسالة: كبح البرنامج النووي، تعديل السلوك، إعادة إيران إلى طاولة الشروط. الغرب، حتى هذه اللحظة، لا يريد إيران مدمَّرة، بل إيران مُقيَّدة. ولهذا تُستخدم كلمة “ضربة” كأداة ضغط لا كنقطة بداية لنهاية مفتوحة.

رابعاً، لأن الحرب مع إيران ليست مسألة إيرانية فقط.

أي حرب حقيقية مع طهران لن تبقى داخل حدودها. مضيق هرمز، أسواق الطاقة، أمن الخليج، العراق، سوريا، لبنان، وحتى التوازنات الدولية مع روسيا والصين… كلها ستدخل خط النار. كلمة “حرب” تعني اعترافاً بأن المنطقة والعالم سيدخلان مرحلة فوضى غير محسوبة. لذلك يُفضَّل الهروب إلى توصيف أقل ثقلاً: «ضربة».

خامساً، لأن “الضربة” تترك باب التراجع مفتوحاً.

في الدبلوماسية القسرية، تُستخدم القوة أحياناً لإجبار الخصم على التفاوض بشروط أسوأ. كلمة “ضربة” تسمح بوقف التصعيد عند لحظة معينة، وتفتح المجال للوساطات، والصفقات، والمخارج. أما «الحرب» فهي طريق باتجاه واحد، يصعب التراجع عنه دون خسارة الهيبة.

لكن المفارقة الأخطر تكمن هنا:

التاريخ يُعلّمنا أن كثيراً من الحروب بدأت باسم “ضربة”.

من فيتنام إلى العراق، كانت البداية دائماً محدودة في الخطاب، ثم تحولت إلى مستنقع. والرهان اليوم هو نفسه: هل تبقى “الضربة” ضربة فعلاً؟ أم أنها مجرد الاسم الدبلوماسي للحرب التي لا يريد أحد أن ينطق باسمها؟

في الخلاصة، لا يُقال “الحرب على إيران” لأن أحداً لا يريد تحمّل تبعات هذه الكلمة.

لكن الواقع يقول إن اللعب على حافة المصطلحات لا يغيّر من حقائق الجغرافيا ولا من منطق التصعيد.

فحين تبدأ النار، لا تفرّق الشعوب بين ضربة وحرب…

بل تسأل سؤالاً واحداً فقط: من سيدفع الثمن؟

التعليقات معطلة.