المشروعات المتعثرة.. بين الضجيج الإعلامي والدور التنموي للصندوق

7





 

د. نورة صالح المجيم
تُعدّ المشروعات الصغيرة والمتوسطة ركيزة أساسية في أي اقتصاد حديث، لكنها في الوقت ذاته من أكثر القطاعات عرضةً للمخاطر. فالتعثر ليس استثناءً في دورة حياة هذا النوع من المشاريع، بل هو جزء أصيل منها عالمياً، ولا يمكن اعتباره مؤشراً مباشراً على فشل الجهة الداعمة أو الممولة.

من هذا المنطلق، يجب فهم دور الصندوق الوطني بوصفه شريكاً تنموياً لا جهة ربحية تجارية. فهدفه الأساسي يتمثل في تحفيز الاقتصاد الوطني، وخلق فرص العمل، ودعم رواد الأعمال، لا تحقيق الأرباح أو تحصيل التمويل بأي ثمن.

أصوات المتعثرين… لماذا تبدو الأعلى؟

يشهد الفضاء الإعلامي ارتفاعاً ملحوظاً في أصوات أصحاب المشاريع المتعثرة، وهو أمر يمكن تفسيره بطبيعة النفس البشرية والظروف المصاحبة للتعثر. فالضغط المالي والنفسي يدفع المتعثرين للظهور والتعبير، بينما ينشغل أصحاب المشاريع الناجحة بالاستدامة والتوسع، وغالباً لا يميلون للظهور الإعلامي أو سرد تجاربهم. وعليه، فإن ارتفاع هذه الأصوات لا يعكس الحجم الحقيقي للنجاحات، بل يعكس حضوراً إعلامياً غير متوازن بطبيعته. كما أن السماح بارتفاع هذه الأصوات يُعد في حد ذاته مؤشراً إيجابياً على بيئة مؤسسية لا تُقصي النقد، بل تفسح المجال للتعبير وطرح الملاحظات.

التعثر ظاهرة عالمية لا فشل مؤسسياً، تشير التجارب الدولية إلى أن نسب التعثر في المشروعات الصغيرة والمتوسطة مرتفعة في معظم دول العالم، حتى في الاقتصادات المتقدمة. وبالتالي، فإن التعثر لا يُعد دليلاً على فشل الصندوق أو سياساته، بل هو جزء طبيعي من منظومة ريادة الأعمال التي تقوم على التجربة والمخاطرة والتعلم.

لكن أين قصص النجاح؟

غياب قصص النجاح عن المشهد الإعلامي لا يعني غيابها عن الواقع. فكثير من المشاريع المستمرة والمنتجة تخلق وظائف، وتدعم الاقتصاد المحلي، وتحقق قيمة مضافة حقيقية، لكنها تمثل قصص نجاح صامتة لا تحظى بالتوثيق الإعلامي الكافي.

كما أن الأثر الاقتصادي الفعلي يجب أن يُقاس بالاستدامة، وعدد الوظائف، واستمرارية المشاريع، لا فقط بالضجيج الإعلامي. فنجاح المشروع على أرض الواقع أهم من حضوره في العناوين.

هناك مرونة غير مسبوقة في التعامل مع التعثر، من أبرز الشواهد على النهج التنموي للصندوق، ما قُدّم من إعفاءات وتأجيلات لأقساط التمويل امتدت لأكثر من ست سنوات في بعض الحالات. وهي خطوة تعكس مرونة إنسانية وتنموية نادرة في مؤسسات التمويل، وتهدف لحماية المشروع من التصفية بدل السعي للتحصيل المالي السريع.

وقد جاء ذلك في ظل ظروف استثنائية فرضتها جائحة كورونا، واضطرابات سلاسل التوريد، والتغيرات الاقتصادية العالمية، ما استدعى سياسات استثنائية تتقاسم فيها الجهة الداعمة المخاطر مع رائد الأعمال.

الصندوق شريك في البناء لا ممول فقط لا يقتصر دور الصندوق على التمويل، بل يمتد ليشمل: تمويلاً ميسراً وفترات سماح وإعادة جدولة وبرامج دعم وإرشاد وخدمات احتضان تمتد لسنوات عدة، وهو ما يعكس رؤية تنموية طويلة الأمد، تقوم على بناء المشروع واستدامته، لا على منطق الربح السريع.

فالتعثر ليس نهاية الطريق، والتاريخ الاقتصادي حافل برواد أعمال تعثروا أكثر من مرة قبل أن يحققوا نجاحاتهم الكبرى. ووجود مظلة داعمة مثل الصندوق يقلل كلفة الفشل، ويحوّله إلى تجربة تعلم، ويمنح رائد الأعمال فرصة إعادة المحاولة بدل الخروج النهائي من السوق.

نقد.. نعم.. لكن دون نفي الجهود فالنقد البناء مطلوب، بل ضروري لتطوير السياسات وتحسين آليات المتابعة والتدريب والتواصل الإعلامي. لكن هذا النقد يجب أن يُسهم في تعظيم الأثر الإيجابي، لا في التقليل من الجهود التنموية المبذولة أو اختزال التجربة في حالات التعثر فقط.

خاتمة

إن قياس نجاح الصندوق الوطني لا يكون بعدد الأصوات المرتفعة أو حالات التعثر، بل بمدى التزامه دعم رواد الأعمال في أصعب الظروف، وبقدرته على توفير بيئة مرنة تحوّل الفشل إلى فرصة، والتعثر إلى خطوة في طريق النجاح.

د. نورة صالح المجيم

 

التعليقات معطلة.