أمريكا تدير العالم بمنهج تجاري لا بالقيم

6

 

 

لم تعد السياسة الخارجية الأمريكية تُدار من بوابة القيم التي طالما رفعتها واشنطن شعارا أخلاقيا لتبرير تدخلاتها، بل باتت تُدار بعقلية التاجر البارد . كلفة، ربح، خسارة، وصفقة قابلة للإلغاء متى تغيّر الميزان. هذا التحول لم يعد محلّ جدل أكاديمي، بل أصبح واقعًا ملموسا تلمسه العواصم الحليفة قبل الخصوم، من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا.

من “حارس القيم” إلى “مدير الصفقات”

لسنوات طويلة، قدّمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها حامية للديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى وإن تناقض هذا الخطاب أحيانا مع الممارسة. أما اليوم، فالتناقض لم يعد خفيا، بل صار سياسة مُعلنة .

الديمقراطية تُدعم حيث تخدم المصالح، وتُؤجَّل حيث تُربك الحسابات.

حقوق الإنسان تُستدعى كورقة ضغط، وتُنسى عندما تعيق صفقة نفط، أو تحالفا أمنيا، أو استقرارا مؤقتا للأسواق .

في هذا السياق، لم تعد الدول تُصنّف وفق منظومة أخلاقية، بل وفق تصنيف تجاري،

من يدفع أكثر؟

من يضمن الاستقرار بأقل كلفة؟

من يمكن احتواؤه بدل مواجهته؟

الشرق الأوسط: السوق المفتوح بلا ضمانات

الشرق الأوسط هو المختبر الأوضح لهذا النهج. فواشنطن لا تسأل اليوم: من يملك الشرعية الشعبية؟ بل تسأل: من يملك مفاتيح الأمن، والطاقة، والممرات المائية؟

لهذا السبب، يتم التعامل مع الأنظمة، والفاعلين غير الدولتيين، وحتى الميليشيات، بوصفهم “أدوات إدارة” لا “مشكلات مبدئية”.

هذا المنطق يفسّر التناقض الصارخ في المواقف الأمريكية,

دعم الاستقرار على حساب الإصلاح.

إدارة الأزمات بدل حلّها.

إبقاء الصراعات تحت مستوى الانفجار، لأنها تمثّل أوراق تفاوض مربحة.

القيم… حين تصبح عبئا

في العقل التجاري، القيم ليست أصلا ثابتا، بل عبئا إذا لم تحقق عائدا مباشرا.

ولهذا، فإن واشنطن باتت ترى أن التمسك الصارم بالمبادئ قد يكلّفها:

خسارة حليف

اضطراب سوق

تصعيدا عسكريا غير مضمون النتائج

فتختار “الأقل كلفة” لا “الأكثر عدالة”.

وهنا تكمن المفارقة: الولايات المتحدة لا تتخلى عن القيم لأنها لم تعد تؤمن بها، بل لأنها لم تعد ترى فيها أداة فعّالة لإدارة عالم يتجه نحو التعددية القطبية، والمنافسة القاسية، وعودة منطق القوة.

عالم بلا مرجعية أخلاقية

المشكلة لا تكمن فقط في السلوك الأمريكي، بل في أثره العالمي. حين تقود القوة الأكبر في العالم بمنطق الصفقات، فإنها تُشرعن هذا السلوك للآخرين:

روسيا، الصين، وحتى القوى الإقليمية، باتت تقول صراحة أو ضمنًا:

“إذا كانت القيم انتقائية، فلماذا نلتزم بها؟”

وهكذا، يتحول النظام الدولي من نظام قواعد إلى سوق نفوذ، ومن شراكات طويلة الأمد إلى تحالفات مؤقتة قابلة للبيع والشراء .

 إدارة العالم لا قيادته

الولايات المتحدة اليوم لا تقود العالم كما كانت تدّعي، بل تديره بأدوات محاسبية بحتة.

تُطفئ حرائق هنا، وتؤجّل انفجارات هناك، وتُراكم أزمات مؤجلة ستنفجر في توقيت لا تختاره.

قد ينجح هذا المنهج مرحليا في تقليل الخسائر، لكنه على المدى البعيد يُفقد واشنطن أخطر ما كانت تملكه: الشرعية الأخلاقية.

ومن دون هذه الشرعية، تصبح أمريكا قوة كبرى… بلا بوصلة، وتاجرا عالميا… بلا ثقة.

وفي عالم يتغير بسرعة، قد يكون فقدان الثقة أثمن من أي صفقة رابحة .

التعليقات معطلة.