ليس من قبيل التبسيط القول إن العالم لا يُدار فقط عبر الحكومات المنتخبة، كما أنه ليس دقيقًا اختزاله في نظرية مؤامرة تحكمها قوة خفية واحدة. بين هذين التصورين يتشكل واقع أكثر تعقيدًا، حيث تدير الدول الكبرى منظومات نفوذ راسخة تتجاوز تغير الحكومات وتبدل القيادات، ويُشار إليها في الأدبيات السياسية بمفهوم “الدولة العميقة”.
ولا يُقصد بهذا المفهوم وجود سلطة سرية خارج الدولة، بقدر ما يعني شبكة من المؤسسات والقوى المؤثرة داخلها، تضم الأجهزة الأمنية والعسكرية، والمؤسسات البيروقراطية المستقرة، ومراكز القرار الاستراتيجي، ورأس المال المؤثر، ودوائر صناعة الرأي العام. هذه المنظومة تمثل في الدول المستقرة عامل استمرارية، إذ تحافظ على المصالح العليا للدولة وتضمن ثبات توجهاتها الاستراتيجية، حتى في ظل التحولات السياسية.
وفي هذا السياق، لا تُعد الدولة العميقة انحرافا عن النظام السياسي بقدر ما تشكل أحد شروط استقراره، حيث توفر ما يشبه “العقل المؤسسي” الذي يحول دون تقلب السياسات وفق المزاج السياسي أو الحسابات الآنية، ويضمن استمرارية الدولة باعتبارها كيانا يتجاوز الحكومات.
غير أن هذا النموذج يغيب عن الحالة العراقية، أو يتخذ فيها صورة مختلفة تماما.
فالعراق لا يواجه تحدي وجود دولة عميقة مهيمنة، بل معضلة تعدد مراكز النفوذ وتضاربها. إذ تتداخل في المشهد العراقي قوى سياسية متنافسة، وشبكات مصالح اقتصادية، وتشكيلات مسلحة ذات ولاءات متباينة، ونفوذ خارجي مؤثر، ومؤسسات رسمية تعاني ضعفا بنيويا في قدرتها على فرض القرار.
وقد أدى هذا التداخل إلى إضعاف مركز الدولة وتآكل قدرتها السيادية، بحيث لم يعد القرار السياسي نتاج إرادة وطنية موحدة، بل حصيلة توازنات معقدة بين قوى متعددة. وهكذا تبدو الدولة قائمة من حيث الشكل، لكنها محدودة الفاعلية من حيث المضمون.
ومن هنا يمكن تفسير طبيعة الدور الذي يشغله العراق في المعادلات الإقليمية والدولية. فهو ليس خارج النظام الدولي، لكنه لا يمارس دور الفاعل فيه بقدر ما يتحرك ضمن حدوده. لقد تحول العراق، بفعل موقعه الجيوسياسي وتعقيداته الداخلية، إلى ساحة لتقاطع المصالح، وميدان لإدارة الصراعات، ومنصة لتبادل الرسائل السياسية والأمنية.
وتنعكس هذه الحالة مباشرة على بنية الدولة ووظيفتها. فغياب مركز قرار حاسم يؤدي إلى تعطيل مسارات الإصلاح، وإضعاف كفاءة المؤسسات، وإدامة الأزمات بدل حلها، كما يحد من قدرة الدولة على رسم سياسات اقتصادية وتنموية مستقرة، ويعمق حالة عدم اليقين في المشهد العام.
وفي ظل هذا الواقع، تتحول مراكز النفوذ المتعددة من أدوات لحماية الدولة إلى عوامل تعيق عملها. كل قرار سيادي يواجه حدودا يفرضها توازن القوى، وكل مشروع إصلاحي يصطدم بشبكات المصالح القائمة، وكل محاولة لتعزيز سلطة المؤسسات تخضع لحسابات التوافق لا لمتطلبات الدولة.
وهكذا يجد العراق نفسه في حالة سياسية معلقة، لا تُحسم فيها الصراعات، ولا تتشكل تسويات مستقرة، ولا تكتمل فيها عملية بناء الدولة. إنها حالة من إدارة الأزمات المستمرة، حيث يُحافَظ على توازن الهشاشة بدل الانتقال إلى توازن الاستقرار.
غير أن التدخلات الخارجية، على تأثيرها الواضح، ليست العامل الوحيد في هذه المعادلة، بل تتغذى أساسًا من هشاشة الداخل وغياب مشروع وطني جامع قادر على إنتاج مؤسسات قوية ورؤية استراتيجية موحدة. فالدولة التي لا تمتلك بنية مؤسسية متماسكة تظل عرضة لتعدد مراكز القرار وتضارب الإرادات.
إن التجارب الدولية تؤكد أن استقرار الدول لا يتحقق بمجرد وجود دستور أو انتخابات، بل يتطلب نشوء منظومة وطنية متماسكة من المؤسسات والمصالح المشتركة القادرة على حماية السيادة وترسيخ استقلال القرار.
وفي غياب مثل هذه المنظومة، يبقى العراق عرضة لضغوط التوازنات الخارجية وتقلبات الصراعات الإقليمية، ويظل حضوره في المعادلات الدولية أقرب إلى موضوع للتفاوض منه إلى طرف في صناعته.
وفي عالم تتزايد فيه إدارة الأزمات بدل حلها، تصبح سيادة القرار الشرط الأول لبقاء الدول واستقرارها. أما الدول التي تفقد قدرتها على إنتاج قرارها السيادي، فإنها لا تُستشار في مصيرها بقدر ما يُتفق عليها.
وهنا تحديدا تتجلى معضلة العراق، وهنا يكمن التحدي الأعمق أمام مستقبله السياسي.

