24 ـ هديل عادل
في دولة الإمارات، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة، بل أصبح جوهر مشروع تحوّل اقتصادي كامل، حيث تبنت الدولة رؤية وطنية استباقية واستثمرت بشكل استراتيجي في دمج التكنولوجيا في جميع قطاعات الحياة، لتصبح بذلك منطلقاً لاقتصاد معرفي متكامل يعتمد على الابتكار والإنتاج المعرفي.
نجحت الإمارات في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى ركيزة استراتيجية تعزز تنافسيتها العالمية، وتفتح آفاقاً جديدة للنمو الاقتصادي والاجتماعي.
ولا يقتصر النموذج الإماراتي على التبني التقني فحسب، بل يربط بين الابتكار والتحول المؤسسي، ليصبح مثالاً يحتذى به على مستوى العالم في بناء اقتصاد معرفي مستدام ومبتكر.
محرّك رئيسي
في هذا السياق، يوضح الدكتور محمد أحمد اللوغاني، مدير أول لشؤون العلاقات الحكومية والبروتوكول في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أن الذكاء الاصطناعي يمثّل “المحرّك الرئيسي لتحوّل دولة الإمارات نحو اقتصاد معرفي قائم على الابتكار”، ويشير بذلك إلى أن الدولة لم تتعامل مع هذه التقنية بوصفها مشروعاً قطاعياً محدوداً، بل باعتبارها إطاراً تحولياً يعيد تشكيل منظومة الاقتصاد الوطني بأكمله، ويعزز تنافسيتها العالمية.
وأوضح أن هذا التوجه لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة رؤية وطنية مبكرة واستثمارات استراتيجية متكاملة وضعت الذكاء الاصطناعي في صلب التخطيط الحكومي، ما مكّن الإمارات من الانتقال من مرحلة تبنّي التكنولوجيا إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة قائمة على البحث والتطوير، والشراكات الدولية، وتنمية الكفاءات الوطنية.
اقتصاد معرفي
ويربط الدكتور اللوغاني بين التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي وبين إعادة صياغة مفهوم القيمة في الاقتصاد الوطني، فالمعادلة لا تقوم فقط على رفع الإنتاجية، بل على تحويل البيانات إلى أصول إنتاجية ومعرفية.
وفي هذا السياق، تبدو التقديرات التي تشير إلى إمكانية وصول مساهمة الذكاء الاصطناعي إلى نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031 انعكاساً لتكامل ثلاثة عناصر رئيسية: الاستثمار المبكر في البنية الرقمية، وتبني التقنيات المتقدمة في قطاعات متعددة بشكل متزامن، وتطوير الكفاءات المتخصصة، وهي عوامل تخلق أثراً تراكمياً يتجاوز العائد القطاعي إلى تحوّل اقتصادي شامل.
رؤية استراتيجية
وفيما يتعلق بالإطار المؤسسي، يشير الدكتور محمد اللوغاني إلى أن إنشاء وزارة الذكاء الاصطناعي عام 2017، ضمن مظلة استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، لم يكن خطوة رمزية، بل قرار سيادي بوضع الذكاء الاصطناعي في صميم الحوكمة الوطنية.
وهذا التحوّل من “تبنّي التقنية” إلى “حوكمة التقنية” منح الدولة ميزة تنافسية مبكرة، إذ أتاح تنسيق السياسات بين البنية التحتية والتنظيم والتعليم والتخطيط الاقتصادي، وجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً من عملية صنع القرار على أعلى المستويات.
تكامل السياسات
ويشير الدكتور اللوغاني إلى أن ما يميز التجربة الإماراتية هو تكامل المسارات، حيث تزامن تطوير السياسات مع بناء بنية حوسبية متقدمة، وإطلاق مؤسسات أكاديمية متخصصة، وتعزيز الشراكات الدولية.
ويبرز هنا دور جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي تستقطب طلبة من أكثر من 59 جنسية، فيما ينضم نحو 80% من خريجيها إلى سوق العمل المحلي في مجالات الذكاء الاصطناعي. وتعكس هذه المؤشرات انتقال الدولة من مرحلة استقطاب المعرفة إلى مرحلة إنتاجها وتوطينها.
شراكات عالمية
وفي بعد آخر يتعلق بالشراكات الدولية، يتحدث الدكتور محمد اللوغاني عن أهمية الشراكات مع شركات عالمية مثل OpenAI وNVIDIA وOracle، مؤكداً أنها تشكّل ركيزة أساسية في بناء منظومة ابتكار مستدامة.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكات، كما يوضح، لا تكمن فقط في الوصول إلى التقنيات المتقدمة والبنية الحوسبية، بل في نقل المعرفة وتطوير القدرات المحلية، بما يسمح بالانتقال التدريجي من الاستخدام إلى الإنتاج والابتكار داخل الدولة.
قطاعات واعدة
وحول العوائد الاقتصادية المتوقعة، يشير الدكتور اللوغاني إلى أن قطاعات الرعاية الصحية والطاقة والخدمات الحكومية والخدمات اللوجستية والقطاع المالي تُعد الأكثر قابلية لتحقيق عوائد مرتفعة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، نظراً لوفرة البيانات وتعقيد العمليات التشغيلية فيها.
ويعكس هذا التوجه فهماً دقيقاً لطبيعة الاقتصاد الحديث، حيث يصبح تحسين جودة القرار، وخفض التكاليف، ورفع الكفاءة التشغيلية، عناصر تنافسية أساسية في بيئة عالمية متسارعة.
من الرؤية إلى الريادة.. كيف جعلت الإمارات الذكاء الاصطناعي قلب اقتصادها المعرفي؟

التعليقات معطلة.
