د. محمد حسين الدلال
ليس مستغرباً أن نجد هدياً نبوياً كريماً يدعو الى تجنب الحروب والفتن، قال عليه الصلاة والسلام: «… أيُّها النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا…»، ويراد بذلك تجنب الفتن والحروب وويلاتها حفظا للكرامة الإنسانية، فالحروب مؤداها قتل وعنف واغتصاب لمسيرة الحياة المسالمة، ووفقاً لذلك ما هو ذنب بنات المدارس او المدنيين الذين قتلوا ظلماً في مدرسة بجنوبي إيران نتيجة للهجوم الصهيوني الأمريكي على إيران، وما هو ذنب المدنيين والمواقع المدنية لدول الخليج العربي الذين عانوا وما زالوا يعانون حاليا من الاعتداءات الإيرانية السافرة، والحروب العبثية يُفتقد فيها كل معنى للحياة، تقول الاديبة بثينة العيسى في رواية لها بعنوان «السندباد الأعمى»: «هذه الحرب العبثية المقيتة تجعلك تتقيئين احشاءك، وعندما تنتهي – هذا إذا انتهت – ستكون أشياء كثيرة قد انتهت أيضا، أشياء ذات معنى، أشياء تربينا عليها».
وراء إذكاء الحروب المسعورة عقول ودول ومؤسسات تغذي وتذكي المزيد من نيران الحروب والفتن، إنها تلك العقول التي تريد السيطرة على العالم، وتسعى لفرض هيمنتها بالقوة على شعوب العالم أجمع، ولذا من يعتقد ويظن ان الحرب القائمة بتعاون صهيوني أمريكي ضد إيران هي حرب عادلة ومؤقتة ومرتبطة بإنهاء امتلاك ايران للسلاح النووي، أو بانهيار النظام الإيراني فقط فهو واهم، فالحرب القائمة تتعدى الصراع مع إيران، فالأمر أكبر من ذلك بكثير، إنها منظومة إستراتيجية تسعى لإعادة صياغة المنطقة الخليجية والعربية بما يحقق مصلحة الكيان الصهيوني المحتل وأمريكا على وجه التحديد، وهو بذلك صراع وجودي في المنطقة وعلى المنطقة العربية فيمن يفرض هيمنته الكاملة وينفذ أجندته المصلحية على حساب دول وشعوب المنطقة.
وفق إستراتيجية مسعري الحرب من الصهاينة والامريكان لا يسمح لأي مقاومة تذكر لاستراتيجية الاختراق الأمريكي الصهيوني في المنطقة العربية، ولا مجال في إطار تلك الإستراتيجية لاستخدام القانون الدولي الذي تم فقده بفعل فاعل، وتمت استباحته، وضرب به عرض الحائط مرارا، ابرزها ما تم في أحداث غزة وفلسطين في السنوات الأخيرة الماضية، بل من المحتمل يوماً ما اذا نجحت مخططات الهيمنة الامريكية الصهيونية الى قيام تغيير كبير بموازين القوى والنفوذ القائمة حالياً في إدارة الدول العربية وعموم المنطقة، وستصبح دول وشعوب المنطقة أسيرة للأوامر والنواهي التي يفرضها المستعمر المتدثر بستار السلام المزعوم على نحو يخالف قيم وهوية ومصالح وسيادة دول وشعوب المنطقة.
حرب مسعورة تتطلب بالمقابل رد فعل جادا وشرسا بمعناه الإيجابي من سرعة وقوة وحزم، ففي زمن الحروب والأزمات لا يُكتفى بردود الفعل الطبيعية التي تقام في الحالة الطبيعية، ولنا في التاريخ عبرة، فحين اقتربت الحرب من بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية تسارع القادة البريطانيون الى اختيار رئيس وزراء ذي خلفية عسكرية، على الرغم من ان ذلك يخالف التوجهات والأعراف الديموقراطية البريطانية، لقد اختاروا ونستون تشرشل ذا الخلفية العسكرية رئيساً للوزراء، فهو الأنسب لمرحلة الحرب التي لا يصلح معها القادة المدنيون، وحين واجهت دولة قطر منذ عشر سنوات أزمات خارجية تحالفت واستعانت بقوى ومراكز دراسات متخصصة لدعمها في إدارة ازماتها الخارجية، ومن جانب آخر فإن سعار الحرب يجب أن يقابله سعار بمعناه الإيجابي من خلال همة وعقل جادَين يسعيان للانتصار والحفاظ على كرامة وحرية الشعب والدولة مهما كانت الظروف والعقبات، قال تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ»، وهو الأمر الذي يقودنا الى مدى استعداد دولنا الخليجية مجتمعةً لإستراتيجيات التغيير في المنطقة.
إنها دعوة للحكومة الكويتية والى نخب المجتمع الكويتي ومفكريه الى ضرورة قيام بناء إستراتيجي هدفه ضمان بقاء سيادة الدولة وحريتها وسلامة أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها في ظل متغيرات المنطقة وصراعات النفوذ فيها، إستراتيجية تسعى لإبقاء الكويت حرة مستقلة، بعيداً عن سعار واضطرابات الحروب، إستراتيجية تضع خطوات عملية لإدارة شؤون الدولة التنفيذية والإغاثية ودعم مقومات الحياة السليمة وقت الحروب والأزمات والمخاطر وفق المعايير الدولية لإدارة هذا النوع من الأزمات.
د. محمد حسين الدلال

