يشعلون النار… ونحن الحطب

16



 

 

صراعات تُشعلها القوى الكبرى وتديرها القوى الإقليمية… لكن وقودها الدائم يبقى من أوطان هذه المنطقة.

في الشرق الأوسط، لا تشتعل الحرائق صدفة. فكل نارٍ تُوقد هنا تقف خلفها حسابات باردة واستراتيجيات بعيدة المدى ومشاريع نفوذ تتجاوز حدود الدول التي تحترق أراضيها. ومع ذلك، فإن المفارقة القاسية أن الذين يشعلون النار نادرًا ما تحترق بيوتهم، بينما تتحول أوطانٌ أخرى إلى حطب دائم لهذه الحرائق.

لقد اعتادت هذه المنطقة، منذ عقود، أن تكون ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين. تتبدل الشعارات وتتغير العناوين: مرة باسم الأمن الدولي، ومرة باسم المقاومة، وأخرى باسم التوازنات الكبرى، لكن النتيجة تكاد تكون واحدة: أرضٌ مستنزفة، ودولٌ منهكة، وشعوبٌ تدفع ثمن معارك لم تكن يومًا قرارها.

القوى الكبرى تدير الصراع من بعيد وفق ميزان مصالحها الاستراتيجية، بينما تتنافس القوى الإقليمية على توسيع نفوذها داخل الفراغ الذي تصنعه الحروب. وبين هذا وذاك، تتحول دول المنطقة إلى خطوط تماس، وتصبح السيادة مفهوماً نظرياً أكثر مما هو واقع ملموس.

غير أن المشكلة ليست فقط في اشتعال الحرائق، بل في استمرار القبول بأن نكون نحن وقودها. فبعض القوى داخل المنطقة لا تكتفي بأن تكون ساحة للصراع، بل تسهم أحيانًا في إدامته عبر الانخراط في معارك تتجاوز حدود مصالحها الوطنية، أو عبر ربط مصيرها بمشاريع خارجية لا ترى في هذه الأرض سوى موقع في خارطة النفوذ.

والمفارقة الكبرى أن شعوب هذه المنطقة لا تزال تكرر نفس الدور التاريخي: أن تكون وقوداً للنار التي لا تشعلها بيدها، وأن تدفع ثمن صراعات الآخرين بأرواحها ومستقبلها.

كل حرب جديدة تُشعل خارج حدودنا تترك وراءها مدناً منهكة، واقتصادات متهاوية، وأجيالاً تبحث عن سبب لاستمرار معاناتها.

وهنا يكمن السؤال القاسي: هل ستظل أوطاننا حطباً للآخرين، أم آن الأوان لأن تصبح قراراتنا، سيادتنا، ومصيرنا خط الدفاع الأول عن أنفسنا؟

التعليقات معطلة.