في الموروث الشعبي العربي مثلٌ قديم يقول: “المفلس في القافلة أمين”. وهو مثل بسيط في عبارته، عميق في دلالته؛ فالرجل الذي لا يملك شيئاً لا يُخشى منه الطمع، ولا يُتوقع منه أن يمد يده إلى ما ليس له. ولهذا يُؤتمن، لا لأنه أكثر فضيلة بالضرورة، بل لأن الظروف نفسها جعلته بعيداً عن إغراء الغنيمة.
اليوم، وفي قلب التحولات الكبرى التي تعصف بالعالم، يبدو أن هذا المثل الشعبي عاد ليحمل معنى سياسياً واقتصادياً جديداً. فالدول التي لا تمتلك ثروات نفطية هائلة، والتي كانت تُنظر إليها طويلاً على أنها دول فقيرة أو محدودة الحظ في الجغرافيا، تبدو في كثير من الأحيان أكثر استقراراً وأقل عرضة للصراعات الكبرى. وكأن غياب النفط، الذي اعتُبر لعقود لعنة اقتصادية، تحوّل في زمن الاضطراب إلى نوعٍ من الحصانة السياسية.
فالنفط، منذ اكتشافه، لم يكن مجرد مصدر طاقة أو ثروة اقتصادية، بل تحول إلى مركز جذب للصراعات الدولية والتنافس الإقليمي. في مناطق كثيرة من العالم، لم يجلب النفط فقط الازدهار، بل جلب معه أيضاً التدخلات، والتحالفات المعقدة، والحروب التي تدور حول طرق الإمداد ومصالح الطاقة. وفي الشرق الأوسط تحديداً، يكاد التاريخ السياسي الحديث يُقرأ من خلال خريطة النفط أكثر مما يُقرأ من خلال خريطة الحدود.
ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول بعض الدول الغنية بالموارد إلى ساحات تنافس بين القوى الكبرى، أو إلى بؤر توتر دائمة. فالثروة الطبيعية الهائلة كثيراً ما تتحول إلى مغناطيس يجذب الطامعين، ويخلق صراعات داخلية على السلطة والنفوذ، قبل أن يفتح الباب لصراعات خارجية أكبر.
في المقابل، تبدو الدول التي لا تمتلك تلك الثروة الضخمة خارج دائرة الاستهداف المباشر. ليست لأنها أكثر قوة أو تأثيراً، بل لأنها ببساطة لا تمثل “جائزة كبرى” في حسابات الصراع العالمي. وهنا يكتسب المثل الشعبي معناه السياسي العميق: المفلس في القافلة أمين، لأنه ليس هدفاً للنهب ولا سبباً للخصام.
لكن هذه الحقيقة لا تعني أن الفقر فضيلة، ولا أن غياب الموارد قدرٌ محمود. فالتحدي الحقيقي لأي دولة، غنية كانت أم فقيرة، لا يكمن في ما تملكه من ثروات طبيعية فقط، بل في كيفية إدارة تلك الثروات. فالدول التي نجحت في تحويل مواردها إلى مؤسسات قوية واقتصادات متوازنة استطاعت أن تجعل من النفط نعمة حقيقية. أما الدول التي وقعت في فخ الاقتصاد الريعي والاعتماد المفرط على مورد واحد، فقد وجدت نفسها أسيرة ثروة لم تحسن استخدامها.
وهكذا يعود المثل الشعبي ليذكّرنا بحقيقة قديمة: ليست المشكلة دائماً في الغنيمة نفسها، بل في الطريقة التي تُدار بها القافلة. ففي عالم مضطرب تحكمه المصالح الكبرى، قد يبدو أحياناً أن من لا يملك شيئاً هو الأكثر أماناً. لكن التاريخ يقول أيضاً إن الأمن الحقيقي لا يأتي من الفقر، بل من الحكمة في إدارة الثروة والقدرة على بناء دولة تحمي نفسها بنفسها.

