صواريخ تسقط على منازل قيادات الفصائل والسفارة الأميركية
بغداد / تميم الحسن
تتجه أزمة تشكيل الحكومة إلى مرحلة أكثر تعقيداً، بعد مؤشرات على نجاح فريق نوري المالكي في تشكيل ما يشبه «الثلث المعطل» داخل البرلمان، وهو ما قد يعرقل محاولات تجديد ولاية ثانية لرئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني.
وبينما تتصاعد التوترات الأمنية في البلاد، مع استهداف قيادات في الفصائل المسلحة وتصاعد الهجمات على المصالح الأميركية، يحاول طرفا الصراع داخل التحالف الشيعي استثمار تلك التطورات لتعزيز فرص مرشحيهما في معركة السلطة المستمرة منذ نحو ثلاثة أشهر.
«الثلث المعطل»
تقول مصادر سياسية قريبة من معسكر نوري المالكي لـ(المدى) إن ما لا يقل عن 125 نائباً وقعوا تعهدات برفض التجديد لمحمد شياع السوداني، وهو رقم كافٍ لتشكيل ما يُعرف بـ«الثلث المعطل» داخل البرلمان.
ويعني ذلك عملياً صعوبة تمرير الاستحقاقات الدستورية المرتبطة بتشكيل الحكومة، إذ يتطلب انتخاب رئيس الجمهورية – الذي يكلّف بدوره مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة – أغلبية الثلثين في البرلمان (220 نائباً على الأقل).
وفي هذا السياق، صعّد النائب المقرب من المالكي يوسف الكلابي لهجته، قائلاً في سلسلة منشورات إن على السوداني أن «يمر على جثة 100 نائب» قبل المضي في محاولة تجديد ولايته.
جدل «الكتلة الأكبر»
في خضم هذا الصراع، كان قد عاد الجدل حول مفهوم «الكتلة الأكبر» إلى الواجهة، بعد انتقادات متكررة أطلقها رئيس مجلس القضاء فائق زيدان وصف فيها الجدل المستمر حول هذا المفهوم بأنه «خطيئة سياسية» تسببت بتكرار أزمات تشكيل الحكومات في العراق.
ورأى مراقبون أن تصريحات زيدان تمثل محاولة للخروج من الأزمة السياسية الحالية، كما اعتبرها بعض المحللين أقرب إلى دعم موقف السوداني، الذي حصد تحالفه أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات الأخيرة، قبل أن يتنازل لصالح المالكي مطلع العام الحالي.
هذا الموقف سرعان ما تبعه ما وصفته أوساط سياسية بـ«انقلاب سياسي» داخل البيت الشيعي، بعد أن بدأت شخصيات بارزة كانت قد أيدت ترشيح المالكي تميل إلى خيار التجديد للسوداني.
وفي هذا الإطار، قال القيادي في تيار الحكمة حسن فدعم لـ(المدى) إن القوى السياسية قد تحسم اسم مرشح رئاسة الحكومة خلال الأيام المقبلة، لكنها ما تزال تنتظر موقف القوى الكردية من مرشح رئاسة الجمهورية قبل المضي في الخطوات الدستورية اللاحقة.
وكان “الإطار التنسيقي” قد أخفق في عقد اجتماع كان مقرراً يوم الاثنين الماضي، كان يُفترض أن يناقش إعلان سحب ترشيح نوري المالكي واستبداله بـمحمد شياع السوداني.
ووفقاً لما تقوله عالية نصيف، وهي نائبة في الفريق الداعم لـمحمد شياع السوداني، فإن كلاً من عمار الحكيم زعيم “تيار الحكمة”، وقيس الخزعلي زعيم «عصائب أهل الحق»، إضافة إلى هادي العامري، يدعمون ترشيح السوداني لولاية ثانية، وهو موقف ما تزال بعض الأوساط الشيعية تبدي تشككاً حياله.
إنجازات السوداني أم أزمة حكم؟
وتتحدث عالية نصيف في مقابلات تلفزيونية ومنشورات عن إنجازات السوداني، خصوصاً خلال الأزمة الأخيرة، بينما يرد عليها الكلابي من الطرف الآخر متحدياً أن يحصل السوداني على «20% من المؤيدين من العراقيين».
ويواصل أنصار السوداني الترويج لما يصفونه بـ«نجاحات حكومته» خلال واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في البلاد، مع تصاعد التوتر الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران.
ويرى هؤلاء أن حكومة السوداني تمكنت من إدارة الدولة رغم أنها تعمل بصفة تصريف الأعمال، وفي ظل تصاعد العمليات العسكرية والهجمات المتبادلة في المنطقة.
ويقول خالد المرسومي، عضو ائتلاف «الإعمار والتنمية» الذي يقوده السوداني لـ(المدى)، إن الحكومة استطاعت تحديد عدد من الجماعات المسلحة ونجحت في تقليص أو إيقاف بعض الهجمات التي استهدفت مصالح دبلوماسية داخل البلاد.
كما أعلن السوداني، في اتصال مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رفضه استخدام الأراضي العراقية في الهجمات الإقليمية، في محاولة لتأكيد موقف بغداد الرسمي من التصعيد الدائر.
لكن هذه المواقف جعلت السوداني، وفق خصومه وبعض الفصائل المسلحة، يُصنَّف تدريجياً ضمن ما يسمونه «المحور الأميركي»، خاصة بعد الإجراءات الأمنية التي اتخذتها حكومته ضد الهجمات التي استهدفت بعثات دبلوماسية.
تداعيات أمنية متسارعة
وتزامنت هذه التجاذبات السياسية مع تطورات أمنية لافتة، بينها هجوم استهدف موقعاً يضم قوات من التحالف الدولي في أربيل، ما أدى إلى مقتل ضابط فرنسي وإصابة عدد من الجنود.
وعقب الحادث، أجرى السوداني اتصالاً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعرب فيه عن أسفه لسقوط الضحايا، مؤكداً فتح تحقيق في الهجوم.
وبدأ السوداني، رئيس حكومة تصريف الأعمال، يُصنَّف تدريجياً – بحسب خصومه والفصائل المسلحة – ضمن ما يصفونه بـ«المحور الأميركي»، بعد سلسلة إجراءات اتخذتها حكومته ضد هجمات استهدفت مصالح دبلوماسية.
وفي تطور آخر، تعرض منزل في منطقة العرصات وسط بغداد لضربة استهدفت قيادات في فصائل مسلحة، في عملية وصفتها القيادة العسكرية بأنها غير مسبوقة داخل العاصمة.
وتداولت معلومات عن إصابة القيادي في كتائب حزب الله أبو حسين الحميداوي، وهو ما أكده لاحقاً نائب مقرب من الفصائل قال إن إصابته «وسام شرف».
كما أشارت منصات قريبة من الفصائل إلى وجود شخصيات أخرى داخل المنزل المستهدف، من بينها شخصية تعرف باسم أبو علي العامري يُعتقد أنه مسؤول عن برنامج الصواريخ في إحدى الفصائل.
وأدانت قيادة العمليات المشتركة الهجمات التي استهدفت مناطق سكنية داخل العراق، مؤكدة أن استهداف الأفراد داخل الأحياء المدنية يمثل خرقاً خطيراً للقانون الدولي.
وقالت القيادة في بيان إن تحويل المناطق السكنية إلى مسارح للعمليات العسكرية «يمثل جريمة مكتملة الأركان تهدد السلم المجتمعي».
كما أدانت القيادة أيضاً الهجمات التي استهدفت مواقع تابعة لـ”الحشد الشعبي” ووصفتها بأنها خرق صارخ للسيادة العراقية.
الفصائل تدخل المعركة السياسية
في الضفة الأخرى، يبدو أن بيئة الفصائل المسلحة تميل إلى دعم المالكي في صراعه السياسي، خاصة بعد تصاعد الهجمات على المصالح الأميركية.
ويُعتقد أن المالكي شجع «كتائب حزب الله» الأسبوع الماضي على صياغة بيان ضد السوداني، دعت فيه إلى عدم «الصمت في اختيار رئيس الوزراء بعيداً عن إملاءات إدارة الشر الأميركية»، على حد وصفها.
وفي هذا السياق، انتقد النائب يوسف الكلابي بيان قيادة العمليات المشتركة حول الهجمات الأخيرة التي طالت “الحشد”، معتبراً أن تضمينه عبارة «دون تمييز للأهداف» يحمل دلالات خطيرة، وطالب بعقد جلسة طارئة لمجلس النواب لمناقشة التطورات.
في المقابل، اعتبر السوداني أن استهداف مواقع الحشد الشعبي «محاولة بائسة لخلط الأوراق»، بحسب بيان صادر عن مكتبه.
وتجنبت منصات قريبة من الفصائل انتقاد المالكي، رغم أنه تحدث سابقاً عن فكرة «حصر السلاح بيد الدولة»، وهو ما فُهم حينها على أنه دعوة لحل الحشد، قبل أن ينفي ذلك لاحقاً.
“إرث المرشد”
ويرى أستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد إحسان الشمري أن بعض قوى الإطار التنسيقي باتت مترددة في التخلي عن المالكي.
ويقول الشمري لـ(المدى) إن تلك القوى تخشى أن يُفسَّر التخلي عنه على أنه تراجع عن إرث المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، الذي كان يُعتقد أنه دعم بقاء المالكي في رئاسة الحكومة المقبلة.
وفي الميدان، صعّدت الفصائل عملياتها ضد المصالح الأميركية، إذ سقط صاروخ قرب منشآت تستخدمها السفارة الأميركية في بغداد بعد وقت قصير من الهجوم الذي استهدف منزل العرصات.
وتصف مصادر أمنية هذا الهجوم بأنه «تغيير نوعي» في طبيعة الهجمات، إذ استخدمت فيه صواريخ بدلاً من الطائرات المسيّرة المعتادة.
ووفق تقديرات أمنية، نفذت الفصائل نحو 300 هجوم منذ مطلع آذار، مع بدء المواجهات العسكرية في المنطقة، واستهدفت بشكل متكرر مطار بغداد.
كما أعلنت ما تسمى بـ«المقاومة» عن مكافأة قدرها 150 مليون دينار لمن يدلي بمعلومات عن الأميركيين في العراق، بينما دعت هيئة الحشد الشعبي عناصرها إلى الالتزام بالسرية وعدم تداول أي معلومات تتعلق بالمقاتلين أو مواقع انتشارهم.
إلى ذلك، قال الأمين العام لكتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي إن عمليات «المقاومة الإسلامية» دخلت المرحلة الثانية، مؤكداً أن هذه المرحلة ستشهد تصعيداً نوعياً في الضغط على الوجود الأميركي في المنطقة.
وأضاف الولائي أن التطورات الأخيرة، وما رافقها من مغادرة عشرات الآلاف من الأميركيين بين عسكريين وموظفين ورعايا، تعكس – بحسب وصفه – حالة ارتباك في صفوف واشنطن، مستذكراً ما حدث بعد غزو العراق عام 2003 عندما عاد عدد كبير من الجنود الأميركيين وهم يعانون آثاراً نفسية قادت كثيرين منهم إلى المصحات العلاجية، في إشارة إلى أن كلفة البقاء في المنطقة لا تقتصر على الخسائر العسكرية فقط.

