لعنة الحروب المتوسطة

4




في إيران، يخاطر ترمب بالوقوع في فخ مألوف
روبرت كابلان
حاملة طائرات أميركية تشارك في “عملية الغضب الملحمي”، مارس (آذار) 2026 (البحرية الأميركية/ رويترز)
ملخص
الحروب متوسطة الحجم لا تبقى صغيرة بما يكفي لتظل محدودة، ولا تكبر بما يكفي لتعبئة المجتمع كله، ولذلك تتحول غالباً إلى فخ يستنزف القوة الأميركية ويقوض ثقة الداخل بنخبته الحاكمة. وفي إيران، كما في بؤر أخرى محتملة من تايوان إلى المكسيك وكوريا الشمالية، تكمن الخطورة في سوء التقدير والتصعيد التدريجي وإهمال الواقع المحلي، بما قد يدفع واشنطن إلى نزاعات أطول وأشد كلفة مما تتصور.
عام 1988، لاحظ المؤرخ العسكري جيمس ستوكسبري أن الديمقراطيات تجيد خوض نوعين من الحروب: الحروب الصغيرة التي تترك لـ”المحترفين” ولا تشمل المواطنين العاديين، والحروب الكبرى جداً التي تعبّئ المجتمع بأسره. وأضاف أن تلك الديمقراطيات تواجه “مشكلات حقيقية فعلاً حين تحاول خوض حرب متوسطة الحجم، يذهب فيها بعض الناس إلى القتال فيما يبقى آخرون في بيوتهم”.
الحروب متوسطة الحجم كبيرة بما يكفي لتخلّف دماراً وسفك دماء هائلين، لكنها في الوقت نفسه صغيرة بما يكفي لئلا تستنفر الجبهة الداخلية كلها. ولا ينبغي الخلط بينها وبين ما سماه المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز “الحرب المحدودة” التي قد يكون هدفها مجرد إيلام العدو لا تدميره. فالحرب المحدودة تخاض عن قصد وضمن تصور مسبق، أما الحرب متوسطة الحجم فتنبثق من حرب كان يُراد لها في الأصل أن تبقى صغيرة تماماً. وفي الحرب المحدودة، يعرف الجنرالات والقادة السياسيون ما يفعلون. أما في الحروب متوسطة الحجم التي تخوضها الولايات المتحدة اليوم، فلا يبدو أن القادة يعرفون ذلك.
قد يكون من غير المريح النظر إلى ما يسمى “الحروب الأبدية” في الشرق الأوسط التي قتلت أو جرحت عشرات آلاف الجنود الأميركيين، وخلفت أعداداً لا تحصى من القتلى من مختلف الأطراف، بوصفها مجرد حروب متوسطة الحجم. لكن نقطة ستوكسبري تقوم على المقارنة. فالحروب في أفغانستان والعراق، وكذلك في كوريا وفيتنام، على فظاعتها، لا يمكن مقارنتها بالحربين العالميتين الكبيرتين في القرن الـ20. ولا يمكن تصنيفها أيضاً ضمن الحروب الصغيرة مثل غزو غرينادا عام 1983 وبنما عام 1989 اللذين تصدرا العناوين لأيام معدودة، لكنهما كانا، في جوهرهما، بمثابة عمليتين لضبط الأمن ضمن منطق الهيمنة الإمبراطورية. كما أن التدخلين الأميركيين في البوسنة عام 1995 وكوسوفو عام 1999 لم يسفرا إلا عن عدد ضئيل جداً من الضحايا الأميركيين، وكانا في معظمهما عمليتين جويتين نُفذتا ضمن حدود صارمة.
تمثل الحروب متوسطة الحجم مشكلة خاصة للولايات المتحدة. فهي تدمر الإدارات الرئاسية، وتقوض ثقة الرأي العام الأميركي بقدرة حكومته على إدارة السياسة الخارجية. ويبدو، للوهلة الأولى، أن الأميركيين سئموا هذه الحروب ولا يريدون تكرارها أبداً. وفي الواقع، بعد كل حرب متوسطة الحجم خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة، أعلن الرأي العام والسياسيون معاً أن هذا النوع من الحروب قد انتهى. وكان ذلك أوضح ما يكون بعد حربَي فيتنام والعراق اللتين دمرتا سمعة كبار صناع القرار. ومع ذلك، قد تكون الولايات المتحدة على أعتاب حرب جديدة من هذا النوع. فالحرب التي تخوضها إدارة ترمب ضد إيران ربما تتطور إلى حرب متوسطة الحجم إذا لم يستسلم النظام الديني كما يطالب الرئيس دونالد ترمب، وإذا أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة إلى الفوضى داخل إيران وزعزعة استقرار الخليج. فالمسافة بين إسقاط نظام قائم وإقامة نظام جديد أكثر طواعية من الممكن أن تكون شاسعة.
وتتصرف الولايات المتحدة في العالم بوصفها إمبراطورية بحكم الأمر الواقع، والحروب سيئة التقدير جزء راسخ من تاريخ الإمبراطوريات نفسها. فجوهر الإمبريالية أن تدفع الإمبراطورية إلى الدخول في أماكن قد تكون مفيدة لها، من دون أن تكون بالضرورة حيوية لمصلحتها القومية. ويعكس الدخول المتكرر في حروب دورية متوسطة الحجم، على رغم تأكيد المسؤولين والمدنيين معاً أنهم لا يريدون تكرارها، الحالة الإمبراطورية الحديثة للولايات المتحدة. وإذا لم يتحلَّ القادة بالحذر، فإن هذه الحروب ستضعف الولايات المتحدة وتسهم في أفولها في النهاية.
أخطاء حسابية خطرة
في عالم سريع الاشتعال بالأزمات، لا تستطيع قوة عظمى مثل الولايات المتحدة أن تختبئ ببساطة، أو تخفض حضورها دائماً، أو تتوقع من الآخرين أن يتحركوا نيابة عنها. وبعد غزو العراق، ميّز بعض المحللين بين الحروب الاختيارية وحروب الضرورة. لكن هذا التمييز لا يذهب بعيداً بما يكفي. ربما يكون مفيداً، لكنه ليس حلاً سحرياً. فمن المحتمل أن تبدو الحرب حرب ضرورة إلى أن تفشل، وعندها يعاد النظر إليها على أنها حرب اختيار. وكما كتب كلاوزفيتز: “الحرب هي مملكة اللايقين؛ فثلاثة أرباع الأمور التي تقوم عليها الأفعال في الحرب تظل مخفية في ضباب من اللايقين، أكثر أو أقل كثافة”. وغالباً ما يفتقر الرئيس إلى المعلومات الكاملة عن الواقع على الأرض على الجانب الآخر من العالم، لكنه يظل مضطراً إلى حسم أمره بين خيارين: هل يذهب إلى الحرب أم لا؟ وهو قرار سيحاكم عليه لاحقاً من قبل آخرين، بعدما تكون الوقائع اتضحت أمامهم.
والقرارات التي تتخذ في مثل هذه الظروف تنطوي على خطر سوء تقدير جوهري. فمن المرجح أن يكون هناك إجماع واسع على أن امتلاك أسلحة نووية من قبل فاعلين راديكاليين أو أنظمة ثيوقراطية أمر خطر، لكن اختيار توقيت العمل العسكري ضدهم أقل وضوحاً بكثير. وأثبتت حرب العراق حماقة التسرع الشديد. وعلى رغم أن النظام الإيراني عام 2026 أقرب بكثير إلى امتلاك قدرات نووية مما كان عليه صدام حسين في العراق عام 2003، فإن من غير الواضح ما إذا كان هذا التقدم يبرر المجازفة بحرب متوسطة الحجم، مما جعلته إدارة ترمب احتمالاً مطروحاً.
وتكشف التوترات المرتبطة بالصين وتايوان عن صعوبة اتخاذ القرار في سيناريوهات يكون فيها الخطأ في التقدير مرجحاً وخطراً في آن. فالمنطقة الغربية من المحيط الهادئ أكثر أهمية للمصالح الأميركية من أوكرانيا والشرق الأوسط. وكان للحروب الأبدية في الشرق الأوسط، عموماً، تأثير محدود فقط في الأسواق المالية التي استوعبت اضطرابات المنطقة الجيوسياسية خلال العقود الأخيرة. لكن الصورة ستكون مختلفة تماماً إذا اندلعت حرب مفتوحة في غرب المحيط الهادئ، موطن أهم ممرات الشحن وسلاسل الإمداد والاقتصادات في العالم. وبالنسبة إلى المواطن الأميركي العادي، فإن حرباً في المحيط الهادئ، إذا لم تُضبط على نحو بالغ الدقة، قد تتجاوز بكثير حجم سوء التقدير والمأساة في حروب أفغانستان والعراق وفيتنام، بسبب أثرها الاقتصادي أولاً، وأيضاً بسبب تدمير مواد حيوية مثل أشباه الموصلات. ومع ذلك، فإن التخطيط لمثل هذا النزاع يجري في بكين وواشنطن معاً، بما يزيد احتمال أن يقع فعلاً يوماً ما. فالدخول في حرب بسبب تايوان وبحر الصين الجنوبي أمر سهل، وربما تكون حرباً متوسطة الحجم. لكن إنهاءها أصعب. ومن الممكن أن يراوح شكل نهايتها ما بين فوضى وانهيار الحكم الشيوعي في الصين، وبين هدنة عسكرية يولدها الإنهاك بعد انهيار أسواق الأسهم العالمية. وعلى رغم كل سيناريوهات المحاكاة العسكرية المصقولة التي تفترض نزاعاً قصيراً وحاسماً حول تايوان، فإن الحروب الحقيقية تميل إلى التحول إلى وقائع شاملة تتجاوز ما خُطط لها.
وقد يتطور النزاع مع كوريا الشمالية هو الآخر يوماً ما إلى حرب متوسطة الحجم. فهذا البلد يفتقر إلى منظمات اجتماعية يُعتمد عليها، لغياب أية عناصر حقيقية للمجتمع المدني فيه. ولذلك فإن أي صراع يهدد بإسقاط النظام يهدد أيضاً بإطلاق الفوضى الداخلية. ومن المرجح أن تتبع هذه الفوضى دعوات إلى تدخل دولي، تحديداً أميركي، وربما حتى إلى مشروع لبناء نظام ديمقراطي. وقد تجد فلول قوات الأمن التابعة للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون نفسها تقاتل بعضها بعضاً في حرب أهلية قد لا تجد القوى الكبرى معها خيارات جيدة في مسألة الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك.
دوامات قاتلة
وعد ترمب بإنهاء الحروب الأبدية. لكنه، من خلال خطاب مرتجل وتخطيط ضعيف وافتقار إلى الانضباط السياسي، فضلاً عن المزيج المعتاد من الأخطاء وسوء التقدير الذي من الممكن أن يقع فيه أي قائد في عالم متقلب، وجد نفسه يتخبط في حروب جديدة من هذا النوع. ولم تُدخل إدارته أعداداً كبيرة من القوات البرية ضمن حملتها الجوية والبحرية الواسعة ضد إيران. لكن منطق التدرج الانزلاقي يطرح مشكلة. فإذا اندلعت حرب أهلية، أو ما يشبهها، في إيران، قد تشعر الإدارة بأنها مضطرة إلى إرسال قوات خاصة ومستشارين لمساندة أحد الأطراف. ومن هناك تبدأ دوامة التصعيد. فاستغرقت حرب فيتنام أعواماً كي تتحول إلى حرب متوسطة الحجم، ممتدة عبر إدارة كينيدي وبدايات إدارة جونسون. ومن المحتمل أن يسلك الوضع في إيران مساراً شبيهاً.
وليست إيران وحدها النزاع الذي قد يخرج عن السيطرة خلال عهد ترمب. فالإدارة تخاطر أيضاً بحرب مع كارتيلات المخدرات في المكسيك التي صنفها ترمب رسمياً منظمات إرهابية. ومثل هذا النزاع يحمل كل سمات حرب غير نظامية شاقة ومتوسطة الحجم، يصعب فيها تحديد مواقع العدو، ويكاد يكون القضاء عليه نهائياً مستحيلاً. كما أن تحرك إدارة ترمب العسكري لإزاحة الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا، وضرباتها الصاروخية في نيجيريا، يشكلان مثالين إضافيين على نزاعات تكتنفها اعتبارات داخلية غامضة وغير قابلة للتنبؤ، كما كانت الحال في العراق عام 2003. فمن الممكن أ، تتحول فنزويلا ما بعد مادورو في نهاية المطاف إلى ديمقراطية فاعلة، لكنها ربما تنحدر أيضاً إلى الفوضى. وفي نيجيريا، يبدو أن إدارة ترمب لا تدرك أن الهجمات الداخلية على المسيحيين تشكل جزءاً من تفكك بطيء ومعقد للدولة النيجيرية نفسها، خصوصاً في المناطق النائية، مما قد يتطور إلى حرب أوسع.
ومن العلامات الخطرة على أن حرباً صغيرة أو عملاً عسكرياً قد يتمدد إلى حرب متوسطة الحجم أن يكثر الحديث عن الجغرافيا السياسية، فيما يقل الكلام عن الظروف الثقافية والسياسية المحلية. ورأت المؤرخة باربرا توكمان أن الولايات المتحدة كان يمكن أن تحقق نتائج أفضل بكثير في فيتنام لو فكرت أقل في منطق الجغرافيا السياسية، وأكثر في منطق الواقع المحلي. فكثير من أكبر كوارث السياسة الخارجية الأميركية وقعت لأن صناع القرار انشغلوا بالعواقب الإقليمية والعالمية التي لم يحسنوا إدارتها، وتجاهلوا الشروط الحاسمة على الأرض. ففي فيتنام، تجاهل القادة الأميركيون تاريخ القومية الفيتنامية وطبيعتها؛ وفي العراق، تجاهلوا الطائفية. ودعت توكمان القادة إلى الثقة بخبراء المناطق أكثر من ثقتهم بالاستراتيجيين الكبار أو دعاة بناء الديمقراطية. فالمعرفة الثقافية المتقدمة والمحددة، في رأيها، أنفع بكثير من المؤشرات الرقمية والمخططات الغامضة.
وغالباً ما تنجم الحروب متوسطة الحجم عن سوء فهم للمكان الذي يفترض أن التدخل جاء لمساعدته. والمفتاح هنا أن تعرف الدولة المتدخلة في ماذا تقحم نفسها. وقد يبدو ذلك سهلاً، لكنه في الواقع من أصعب جوانب صنع القرار. فإثارة القضايا والاختلافات الثقافية مسألة شائكة لأنه يسهل أن يُساء فهمها على أنها تحيز، مما يدفع الناس إلى تجنب النقاشات الضرورية حول الوقائع على الأرض. لكن هذه النقاشات تحديداً هي التي يمكن أن تُبعد القوة العظمى من الورطات. فحذر خبراء الشأن الصيني في وزارة الخارجية الأميركية من استيلاء الشيوعيين على البر الصيني الرئيس قبل أعوام من وقوع ذلك في 1949. وكان للفشل في تقبّل تلك الحقيقة والتعامل مبكراً مع النظام الشيوعي، على رغم قسوته، دور في الجهود الأميركية اللاحقة لاحتواء الشيوعية في كوريا وفيتنام. كما أن خبراء الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأميركية، المطلعين على الثقافة والظروف المحلية، حذروا من التدخل العسكري الأميركي في العراق عام 2003.
طرق وعرة
يظل خطر “الشرف الزائف” كامناً في جميع هذه الحالات، أي ذلك الدافع إلى الرد بعنف على كبرياء مجروح، مما دأبت عليه القوى الكبرى والصغرى منذ فجر التاريخ. ورأى المؤرخ اليوناني ثيوسيديديس أن الشرف سبب من أسباب النزاع بين الدول. وفي عالم عنيف ومضطرب مثل عالمنا الراهن، قد يُمس شرف الدول أحياناً، عبر احتجاز رهائن مثلاً، أو حصار سفارة في بلد مزقته الحرب. وفي مثل هذه الحالات، يجري إغراء القادة كثيراً بالتدخل بالقوة. ولدى ترمب ميل خطير إلى الرد على الإهانات الشخصية، مما قد يقود إلى رد فعل عسكري مبالغ فيه.
اقرأ المزيد
حصيلة ضحايا الحرب في الشرق الأوسط
“تناقض التصريحات” تكتيك أميركي وأزمة إيرانية
ماسك “رجل الظل” في حروب أميركا الأخيرة
الذكاء الاصطناعي يقوض قواعد الحروب الحديثة
كذلك يمكن للخطاب التصعيدي العاطفي أن يدفع حرباً صغيرة إلى أن تصبح حرباً متوسطة الحجم. ففي مارس (آذار) عام 2004 مثلاً، قتل أربعة متعاقدين أميركيين خاصين في الفلوجة غرب العراق، وأحرقت جثثهم وعلّقت على جسر. وكانت الفلوجة اكتسبت سمعة باعتبارها مدينة شديدة العداء للاحتلال الأميركي، وأوصى ضباط “المارينز” بتطويقها لأنه لم تكُن هناك ضرورة تكتيكية لاحتلالها أو إدارتها. لكن مسؤولين كباراً في الجيش الأميركي وفي إدارة جورج دبليو بوش اعتبروا أن الفلوجة يجب أن تتلقى درساً لأن “الشرف الأميركي” أُهين. وأدى اقتحام المدينة لاحقاً إلى سقوط عشرات الضحايا في صفوف “المارينز”، وتسبب في مزيد من الخسائر أثناء معركة ثانية في نوفمبر (تشرين الثاني) التالي. وما جرى في الفلوجة يثبت أن القوة كلما عظمت، ازدادت حاجتها إلى ضبط النفس. ومن هذا النوع من الانضباط يبدأ تجنب الحروب الصغيرة، بل حتى الحروب متوسطة الحجم.
وتُعد الاشتباكات البرية خطرة على نحو خاص لأنها قد تتحول سريعاً إلى مستنقعات. فخلال كل عملياته العسكرية حتى الآن، في نيجيريا وفنزويلا وإيران، استخدم ترمب القدرات الجوية والبحرية تقريباً حصراً، وهذا أمر جيد. وينبغي للولايات المتحدة أن تحذر بصورة خاصة من الدخول البري في نصف الكرة الشرقي، حيث خاضت جميع حروبها متوسطة الحجم منذ الحرب العالمية الثانية. وليس السبب فقط التحديات التي تفرضها المسافات الهائلة، بل أيضاً أن الاستخبارات الأميركية هناك كانت، في الغالب، أضعف بكثير منها في جوار الولايات المتحدة المباشر، مع أن واشنطن قد تتورط حتى هناك في مشكلات غير ضرورية. وتخيل وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد العراق على أنه “بنما أخرى”: الدخول والخروج في غضون أسابيع أو أشهر، وبعدد محدود من القوات. لكن المعرفة الاستخباراتية الأميركية ببنما كانت أكبر بما لا يقاس منها بالعراق، فضلاً عن أن العراق بلد أكبر بكثير. وتجاهل رامسفيلد وإدارة بوش نصيحة توكمان وثقة خبراء المنطقة الذين حذروا من التدخل، وافتقروا أيضاً إلى خطة مناسبة وواقعية لإدارة العراق بعد الغزو. وكانت النتيجة حرباً متوسطة الحجم باهظة الكلفة. فكل عمل عسكري أميركي، مهما صغر حجمه، ينبغي أن ترافقه خطة متكاملة لليوم التالي، يجري تحديثها باستمرار، بما يضمن إدماج خبرة المتخصصين الميدانيين في البيروقراطية المهنية ضمن عملية صنع القرار في السياسة الخارجية.
وخلال توليه رئاسة هيئة الأركان المشتركة في المرحلة الأولى التي أعقبت الحرب الباردة، دعا كولن باول الذي صار لاحقاً وزيراً للخارجية، إلى ألا تدخل الولايات المتحدة حرباً ما لم تكُن لديها قوة ساحقة واستراتيجية خروج ومصلحة قومية حيوية وهدف واضح وتأييد واسع. وهذه الفكرة التي عُرفت بـ”عقيدة باول”، هُمّشت خلال الأعوام الأخيرة. لكنها لا تزال ذات صلة. وربما لم يكُن الهدف الأقصى من “عقيدة بأول” هو مجرد تجنب الهزيمة، بل تجنب الحروب متوسطة الحجم أساساً. وبالنسبة إلى قوة عظمى مثل الولايات المتحدة، فإن تجنب الحروب متوسطة الحجم يعني أن تتحلى بحذر بالغ إزاء الحروب الصغيرة التي تدخل فيها.
فالإمبراطوريات والقوى الكبرى التي طال بقاؤها هي تلك التي تجنبت الحروب متوسطة الحجم. واستمرت الإمبراطورية البيزنطية، على سبيل المثال، أكثر من ألف عام لأنها فعلت كل ما بوسعها لتفادي الحروب المفتوحة. واليوم، فيما تحتفل الولايات المتحدة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، تواجه في الوقت نفسه سلسلة من النزاعات المتصاعدة. وإذا لم تتمكن من تجنب الحروب متوسطة الحجم التي ابتُليت بها في الماضي، فمن المحتمل أن ينشأ صدع قاتل بين الرأي العام الأميركي ونخبته الحاكمة. وربما لا تظهر آثار ذلك فوراً، لكن مثل هذه الانقسامات هي الطريقة التي تموت بها الجمهوريات ببطء.
ترجمة عن “فورين أفيرز” 11 مارس (آذار) 2026
روبرت كابلان محاضر أول في جامعة تكساس في أوستن، ومؤلف كتاب “أرض يباب: عالم في أزمة دائمة”.
حاملة طائرات أميركية تشارك في “عملية الغضب الملحمي”، مارس (آذار) 2026 (البحرية الأميركية/ رويترز)
ملخص
الحروب متوسطة الحجم لا تبقى صغيرة بما يكفي لتظل محدودة، ولا تكبر بما يكفي لتعبئة المجتمع كله، ولذلك تتحول غالباً إلى فخ يستنزف القوة الأميركية ويقوض ثقة الداخل بنخبته الحاكمة. وفي إيران، كما في بؤر أخرى محتملة من تايوان إلى المكسيك وكوريا الشمالية، تكمن الخطورة في سوء التقدير والتصعيد التدريجي وإهمال الواقع المحلي، بما قد يدفع واشنطن إلى نزاعات أطول وأشد كلفة مما تتصور.
عام 1988، لاحظ المؤرخ العسكري جيمس ستوكسبري أن الديمقراطيات تجيد خوض نوعين من الحروب: الحروب الصغيرة التي تترك لـ”المحترفين” ولا تشمل المواطنين العاديين، والحروب الكبرى جداً التي تعبّئ المجتمع بأسره. وأضاف أن تلك الديمقراطيات تواجه “مشكلات حقيقية فعلاً حين تحاول خوض حرب متوسطة الحجم، يذهب فيها بعض الناس إلى القتال فيما يبقى آخرون في بيوتهم”.
الحروب متوسطة الحجم كبيرة بما يكفي لتخلّف دماراً وسفك دماء هائلين، لكنها في الوقت نفسه صغيرة بما يكفي لئلا تستنفر الجبهة الداخلية كلها. ولا ينبغي الخلط بينها وبين ما سماه المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز “الحرب المحدودة” التي قد يكون هدفها مجرد إيلام العدو لا تدميره. فالحرب المحدودة تخاض عن قصد وضمن تصور مسبق، أما الحرب متوسطة الحجم فتنبثق من حرب كان يُراد لها في الأصل أن تبقى صغيرة تماماً. وفي الحرب المحدودة، يعرف الجنرالات والقادة السياسيون ما يفعلون. أما في الحروب متوسطة الحجم التي تخوضها الولايات المتحدة اليوم، فلا يبدو أن القادة يعرفون ذلك.
قد يكون من غير المريح النظر إلى ما يسمى “الحروب الأبدية” في الشرق الأوسط التي قتلت أو جرحت عشرات آلاف الجنود الأميركيين، وخلفت أعداداً لا تحصى من القتلى من مختلف الأطراف، بوصفها مجرد حروب متوسطة الحجم. لكن نقطة ستوكسبري تقوم على المقارنة. فالحروب في أفغانستان والعراق، وكذلك في كوريا وفيتنام، على فظاعتها، لا يمكن مقارنتها بالحربين العالميتين الكبيرتين في القرن الـ20. ولا يمكن تصنيفها أيضاً ضمن الحروب الصغيرة مثل غزو غرينادا عام 1983 وبنما عام 1989 اللذين تصدرا العناوين لأيام معدودة، لكنهما كانا، في جوهرهما، بمثابة عمليتين لضبط الأمن ضمن منطق الهيمنة الإمبراطورية. كما أن التدخلين الأميركيين في البوسنة عام 1995 وكوسوفو عام 1999 لم يسفرا إلا عن عدد ضئيل جداً من الضحايا الأميركيين، وكانا في معظمهما عمليتين جويتين نُفذتا ضمن حدود صارمة.
تمثل الحروب متوسطة الحجم مشكلة خاصة للولايات المتحدة. فهي تدمر الإدارات الرئاسية، وتقوض ثقة الرأي العام الأميركي بقدرة حكومته على إدارة السياسة الخارجية. ويبدو، للوهلة الأولى، أن الأميركيين سئموا هذه الحروب ولا يريدون تكرارها أبداً. وفي الواقع، بعد كل حرب متوسطة الحجم خاضتها الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة، أعلن الرأي العام والسياسيون معاً أن هذا النوع من الحروب قد انتهى. وكان ذلك أوضح ما يكون بعد حربَي فيتنام والعراق اللتين دمرتا سمعة كبار صناع القرار. ومع ذلك، قد تكون الولايات المتحدة على أعتاب حرب جديدة من هذا النوع. فالحرب التي تخوضها إدارة ترمب ضد إيران ربما تتطور إلى حرب متوسطة الحجم إذا لم يستسلم النظام الديني كما يطالب الرئيس دونالد ترمب، وإذا أدت الضربات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة إلى الفوضى داخل إيران وزعزعة استقرار الخليج. فالمسافة بين إسقاط نظام قائم وإقامة نظام جديد أكثر طواعية من الممكن أن تكون شاسعة.
وتتصرف الولايات المتحدة في العالم بوصفها إمبراطورية بحكم الأمر الواقع، والحروب سيئة التقدير جزء راسخ من تاريخ الإمبراطوريات نفسها. فجوهر الإمبريالية أن تدفع الإمبراطورية إلى الدخول في أماكن قد تكون مفيدة لها، من دون أن تكون بالضرورة حيوية لمصلحتها القومية. ويعكس الدخول المتكرر في حروب دورية متوسطة الحجم، على رغم تأكيد المسؤولين والمدنيين معاً أنهم لا يريدون تكرارها، الحالة الإمبراطورية الحديثة للولايات المتحدة. وإذا لم يتحلَّ القادة بالحذر، فإن هذه الحروب ستضعف الولايات المتحدة وتسهم في أفولها في النهاية.
أخطاء حسابية خطرة
في عالم سريع الاشتعال بالأزمات، لا تستطيع قوة عظمى مثل الولايات المتحدة أن تختبئ ببساطة، أو تخفض حضورها دائماً، أو تتوقع من الآخرين أن يتحركوا نيابة عنها. وبعد غزو العراق، ميّز بعض المحللين بين الحروب الاختيارية وحروب الضرورة. لكن هذا التمييز لا يذهب بعيداً بما يكفي. ربما يكون مفيداً، لكنه ليس حلاً سحرياً. فمن المحتمل أن تبدو الحرب حرب ضرورة إلى أن تفشل، وعندها يعاد النظر إليها على أنها حرب اختيار. وكما كتب كلاوزفيتز: “الحرب هي مملكة اللايقين؛ فثلاثة أرباع الأمور التي تقوم عليها الأفعال في الحرب تظل مخفية في ضباب من اللايقين، أكثر أو أقل كثافة”. وغالباً ما يفتقر الرئيس إلى المعلومات الكاملة عن الواقع على الأرض على الجانب الآخر من العالم، لكنه يظل مضطراً إلى حسم أمره بين خيارين: هل يذهب إلى الحرب أم لا؟ وهو قرار سيحاكم عليه لاحقاً من قبل آخرين، بعدما تكون الوقائع اتضحت أمامهم.
والقرارات التي تتخذ في مثل هذه الظروف تنطوي على خطر سوء تقدير جوهري. فمن المرجح أن يكون هناك إجماع واسع على أن امتلاك أسلحة نووية من قبل فاعلين راديكاليين أو أنظمة ثيوقراطية أمر خطر، لكن اختيار توقيت العمل العسكري ضدهم أقل وضوحاً بكثير. وأثبتت حرب العراق حماقة التسرع الشديد. وعلى رغم أن النظام الإيراني عام 2026 أقرب بكثير إلى امتلاك قدرات نووية مما كان عليه صدام حسين في العراق عام 2003، فإن من غير الواضح ما إذا كان هذا التقدم يبرر المجازفة بحرب متوسطة الحجم، مما جعلته إدارة ترمب احتمالاً مطروحاً.
وتكشف التوترات المرتبطة بالصين وتايوان عن صعوبة اتخاذ القرار في سيناريوهات يكون فيها الخطأ في التقدير مرجحاً وخطراً في آن. فالمنطقة الغربية من المحيط الهادئ أكثر أهمية للمصالح الأميركية من أوكرانيا والشرق الأوسط. وكان للحروب الأبدية في الشرق الأوسط، عموماً، تأثير محدود فقط في الأسواق المالية التي استوعبت اضطرابات المنطقة الجيوسياسية خلال العقود الأخيرة. لكن الصورة ستكون مختلفة تماماً إذا اندلعت حرب مفتوحة في غرب المحيط الهادئ، موطن أهم ممرات الشحن وسلاسل الإمداد والاقتصادات في العالم. وبالنسبة إلى المواطن الأميركي العادي، فإن حرباً في المحيط الهادئ، إذا لم تُضبط على نحو بالغ الدقة، قد تتجاوز بكثير حجم سوء التقدير والمأساة في حروب أفغانستان والعراق وفيتنام، بسبب أثرها الاقتصادي أولاً، وأيضاً بسبب تدمير مواد حيوية مثل أشباه الموصلات. ومع ذلك، فإن التخطيط لمثل هذا النزاع يجري في بكين وواشنطن معاً، بما يزيد احتمال أن يقع فعلاً يوماً ما. فالدخول في حرب بسبب تايوان وبحر الصين الجنوبي أمر سهل، وربما تكون حرباً متوسطة الحجم. لكن إنهاءها أصعب. ومن الممكن أن يراوح شكل نهايتها ما بين فوضى وانهيار الحكم الشيوعي في الصين، وبين هدنة عسكرية يولدها الإنهاك بعد انهيار أسواق الأسهم العالمية. وعلى رغم كل سيناريوهات المحاكاة العسكرية المصقولة التي تفترض نزاعاً قصيراً وحاسماً حول تايوان، فإن الحروب الحقيقية تميل إلى التحول إلى وقائع شاملة تتجاوز ما خُطط لها.
وقد يتطور النزاع مع كوريا الشمالية هو الآخر يوماً ما إلى حرب متوسطة الحجم. فهذا البلد يفتقر إلى منظمات اجتماعية يُعتمد عليها، لغياب أية عناصر حقيقية للمجتمع المدني فيه. ولذلك فإن أي صراع يهدد بإسقاط النظام يهدد أيضاً بإطلاق الفوضى الداخلية. ومن المرجح أن تتبع هذه الفوضى دعوات إلى تدخل دولي، تحديداً أميركي، وربما حتى إلى مشروع لبناء نظام ديمقراطي. وقد تجد فلول قوات الأمن التابعة للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون نفسها تقاتل بعضها بعضاً في حرب أهلية قد لا تجد القوى الكبرى معها خيارات جيدة في مسألة الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك.
دوامات قاتلة
وعد ترمب بإنهاء الحروب الأبدية. لكنه، من خلال خطاب مرتجل وتخطيط ضعيف وافتقار إلى الانضباط السياسي، فضلاً عن المزيج المعتاد من الأخطاء وسوء التقدير الذي من الممكن أن يقع فيه أي قائد في عالم متقلب، وجد نفسه يتخبط في حروب جديدة من هذا النوع. ولم تُدخل إدارته أعداداً كبيرة من القوات البرية ضمن حملتها الجوية والبحرية الواسعة ضد إيران. لكن منطق التدرج الانزلاقي يطرح مشكلة. فإذا اندلعت حرب أهلية، أو ما يشبهها، في إيران، قد تشعر الإدارة بأنها مضطرة إلى إرسال قوات خاصة ومستشارين لمساندة أحد الأطراف. ومن هناك تبدأ دوامة التصعيد. فاستغرقت حرب فيتنام أعواماً كي تتحول إلى حرب متوسطة الحجم، ممتدة عبر إدارة كينيدي وبدايات إدارة جونسون. ومن المحتمل أن يسلك الوضع في إيران مساراً شبيهاً.
وليست إيران وحدها النزاع الذي قد يخرج عن السيطرة خلال عهد ترمب. فالإدارة تخاطر أيضاً بحرب مع كارتيلات المخدرات في المكسيك التي صنفها ترمب رسمياً منظمات إرهابية. ومثل هذا النزاع يحمل كل سمات حرب غير نظامية شاقة ومتوسطة الحجم، يصعب فيها تحديد مواقع العدو، ويكاد يكون القضاء عليه نهائياً مستحيلاً. كما أن تحرك إدارة ترمب العسكري لإزاحة الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا، وضرباتها الصاروخية في نيجيريا، يشكلان مثالين إضافيين على نزاعات تكتنفها اعتبارات داخلية غامضة وغير قابلة للتنبؤ، كما كانت الحال في العراق عام 2003. فمن الممكن أ، تتحول فنزويلا ما بعد مادورو في نهاية المطاف إلى ديمقراطية فاعلة، لكنها ربما تنحدر أيضاً إلى الفوضى. وفي نيجيريا، يبدو أن إدارة ترمب لا تدرك أن الهجمات الداخلية على المسيحيين تشكل جزءاً من تفكك بطيء ومعقد للدولة النيجيرية نفسها، خصوصاً في المناطق النائية، مما قد يتطور إلى حرب أوسع.
ومن العلامات الخطرة على أن حرباً صغيرة أو عملاً عسكرياً قد يتمدد إلى حرب متوسطة الحجم أن يكثر الحديث عن الجغرافيا السياسية، فيما يقل الكلام عن الظروف الثقافية والسياسية المحلية. ورأت المؤرخة باربرا توكمان أن الولايات المتحدة كان يمكن أن تحقق نتائج أفضل بكثير في فيتنام لو فكرت أقل في منطق الجغرافيا السياسية، وأكثر في منطق الواقع المحلي. فكثير من أكبر كوارث السياسة الخارجية الأميركية وقعت لأن صناع القرار انشغلوا بالعواقب الإقليمية والعالمية التي لم يحسنوا إدارتها، وتجاهلوا الشروط الحاسمة على الأرض. ففي فيتنام، تجاهل القادة الأميركيون تاريخ القومية الفيتنامية وطبيعتها؛ وفي العراق، تجاهلوا الطائفية. ودعت توكمان القادة إلى الثقة بخبراء المناطق أكثر من ثقتهم بالاستراتيجيين الكبار أو دعاة بناء الديمقراطية. فالمعرفة الثقافية المتقدمة والمحددة، في رأيها، أنفع بكثير من المؤشرات الرقمية والمخططات الغامضة.
وغالباً ما تنجم الحروب متوسطة الحجم عن سوء فهم للمكان الذي يفترض أن التدخل جاء لمساعدته. والمفتاح هنا أن تعرف الدولة المتدخلة في ماذا تقحم نفسها. وقد يبدو ذلك سهلاً، لكنه في الواقع من أصعب جوانب صنع القرار. فإثارة القضايا والاختلافات الثقافية مسألة شائكة لأنه يسهل أن يُساء فهمها على أنها تحيز، مما يدفع الناس إلى تجنب النقاشات الضرورية حول الوقائع على الأرض. لكن هذه النقاشات تحديداً هي التي يمكن أن تُبعد القوة العظمى من الورطات. فحذر خبراء الشأن الصيني في وزارة الخارجية الأميركية من استيلاء الشيوعيين على البر الصيني الرئيس قبل أعوام من وقوع ذلك في 1949. وكان للفشل في تقبّل تلك الحقيقة والتعامل مبكراً مع النظام الشيوعي، على رغم قسوته، دور في الجهود الأميركية اللاحقة لاحتواء الشيوعية في كوريا وفيتنام. كما أن خبراء الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأميركية، المطلعين على الثقافة والظروف المحلية، حذروا من التدخل العسكري الأميركي في العراق عام 2003.
طرق وعرة
يظل خطر “الشرف الزائف” كامناً في جميع هذه الحالات، أي ذلك الدافع إلى الرد بعنف على كبرياء مجروح، مما دأبت عليه القوى الكبرى والصغرى منذ فجر التاريخ. ورأى المؤرخ اليوناني ثيوسيديديس أن الشرف سبب من أسباب النزاع بين الدول. وفي عالم عنيف ومضطرب مثل عالمنا الراهن، قد يُمس شرف الدول أحياناً، عبر احتجاز رهائن مثلاً، أو حصار سفارة في بلد مزقته الحرب. وفي مثل هذه الحالات، يجري إغراء القادة كثيراً بالتدخل بالقوة. ولدى ترمب ميل خطير إلى الرد على الإهانات الشخصية، مما قد يقود إلى رد فعل عسكري مبالغ فيه.
اقرأ المزيد
حصيلة ضحايا الحرب في الشرق الأوسط
“تناقض التصريحات” تكتيك أميركي وأزمة إيرانية
ماسك “رجل الظل” في حروب أميركا الأخيرة
الذكاء الاصطناعي يقوض قواعد الحروب الحديثة
كذلك يمكن للخطاب التصعيدي العاطفي أن يدفع حرباً صغيرة إلى أن تصبح حرباً متوسطة الحجم. ففي مارس (آذار) عام 2004 مثلاً، قتل أربعة متعاقدين أميركيين خاصين في الفلوجة غرب العراق، وأحرقت جثثهم وعلّقت على جسر. وكانت الفلوجة اكتسبت سمعة باعتبارها مدينة شديدة العداء للاحتلال الأميركي، وأوصى ضباط “المارينز” بتطويقها لأنه لم تكُن هناك ضرورة تكتيكية لاحتلالها أو إدارتها. لكن مسؤولين كباراً في الجيش الأميركي وفي إدارة جورج دبليو بوش اعتبروا أن الفلوجة يجب أن تتلقى درساً لأن “الشرف الأميركي” أُهين. وأدى اقتحام المدينة لاحقاً إلى سقوط عشرات الضحايا في صفوف “المارينز”، وتسبب في مزيد من الخسائر أثناء معركة ثانية في نوفمبر (تشرين الثاني) التالي. وما جرى في الفلوجة يثبت أن القوة كلما عظمت، ازدادت حاجتها إلى ضبط النفس. ومن هذا النوع من الانضباط يبدأ تجنب الحروب الصغيرة، بل حتى الحروب متوسطة الحجم.
وتُعد الاشتباكات البرية خطرة على نحو خاص لأنها قد تتحول سريعاً إلى مستنقعات. فخلال كل عملياته العسكرية حتى الآن، في نيجيريا وفنزويلا وإيران، استخدم ترمب القدرات الجوية والبحرية تقريباً حصراً، وهذا أمر جيد. وينبغي للولايات المتحدة أن تحذر بصورة خاصة من الدخول البري في نصف الكرة الشرقي، حيث خاضت جميع حروبها متوسطة الحجم منذ الحرب العالمية الثانية. وليس السبب فقط التحديات التي تفرضها المسافات الهائلة، بل أيضاً أن الاستخبارات الأميركية هناك كانت، في الغالب، أضعف بكثير منها في جوار الولايات المتحدة المباشر، مع أن واشنطن قد تتورط حتى هناك في مشكلات غير ضرورية. وتخيل وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد العراق على أنه “بنما أخرى”: الدخول والخروج في غضون أسابيع أو أشهر، وبعدد محدود من القوات. لكن المعرفة الاستخباراتية الأميركية ببنما كانت أكبر بما لا يقاس منها بالعراق، فضلاً عن أن العراق بلد أكبر بكثير. وتجاهل رامسفيلد وإدارة بوش نصيحة توكمان وثقة خبراء المنطقة الذين حذروا من التدخل، وافتقروا أيضاً إلى خطة مناسبة وواقعية لإدارة العراق بعد الغزو. وكانت النتيجة حرباً متوسطة الحجم باهظة الكلفة. فكل عمل عسكري أميركي، مهما صغر حجمه، ينبغي أن ترافقه خطة متكاملة لليوم التالي، يجري تحديثها باستمرار، بما يضمن إدماج خبرة المتخصصين الميدانيين في البيروقراطية المهنية ضمن عملية صنع القرار في السياسة الخارجية.
وخلال توليه رئاسة هيئة الأركان المشتركة في المرحلة الأولى التي أعقبت الحرب الباردة، دعا كولن باول الذي صار لاحقاً وزيراً للخارجية، إلى ألا تدخل الولايات المتحدة حرباً ما لم تكُن لديها قوة ساحقة واستراتيجية خروج ومصلحة قومية حيوية وهدف واضح وتأييد واسع. وهذه الفكرة التي عُرفت بـ”عقيدة باول”، هُمّشت خلال الأعوام الأخيرة. لكنها لا تزال ذات صلة. وربما لم يكُن الهدف الأقصى من “عقيدة بأول” هو مجرد تجنب الهزيمة، بل تجنب الحروب متوسطة الحجم أساساً. وبالنسبة إلى قوة عظمى مثل الولايات المتحدة، فإن تجنب الحروب متوسطة الحجم يعني أن تتحلى بحذر بالغ إزاء الحروب الصغيرة التي تدخل فيها.
فالإمبراطوريات والقوى الكبرى التي طال بقاؤها هي تلك التي تجنبت الحروب متوسطة الحجم. واستمرت الإمبراطورية البيزنطية، على سبيل المثال، أكثر من ألف عام لأنها فعلت كل ما بوسعها لتفادي الحروب المفتوحة. واليوم، فيما تحتفل الولايات المتحدة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، تواجه في الوقت نفسه سلسلة من النزاعات المتصاعدة. وإذا لم تتمكن من تجنب الحروب متوسطة الحجم التي ابتُليت بها في الماضي، فمن المحتمل أن ينشأ صدع قاتل بين الرأي العام الأميركي ونخبته الحاكمة. وربما لا تظهر آثار ذلك فوراً، لكن مثل هذه الانقسامات هي الطريقة التي تموت بها الجمهوريات ببطء.
ترجمة عن “فورين أفيرز” 11 مارس (آذار) 2026
روبرت كابلان محاضر أول في جامعة تكساس في أوستن، ومؤلف كتاب “أرض يباب: عالم في أزمة دائمة”.

التعليقات معطلة.