بالأمس السيد نيجيرفان… واليوم السيد مسعود

8





 

 

في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، تكررت الرسالة ذاتها ولكن بأدوات مختلفة: استهداف محيط القيادة الكردية في أربيل. بالأمس كان المشهد يدور حول نيجيرفان بارزاني، واليوم يتكرر بالقرب من مسعود بارزاني. وبين الحدثين، لا يمكن الحديث عن صدفة، بل عن سياق يتشكل، ورسائل تُبعث بدقة.

هذا التتابع السريع يكشف أن الاستهداف لم يعد موجهاً لشخص بعينه، بل لرمزية القيادة الكردية ككل. إنها محاولة لفرض معادلة جديدة: إدخال إقليم كردستان في قلب الاشتباك الإقليمي الدائر، بعد أن ظل لسنوات يحافظ على هامش من الاستقرار النسبي وسط بحر من الأزمات.

ما يحدث اليوم ليس مجرد خرق أمني، بل اختبار لإرادة الإقليم وحدود صبره. فالطائرات المسيّرة، بقدر ما هي أدوات عسكرية، أصبحت وسيلة لإرسال إشارات سياسية واضحة: “نحن هنا… ونستطيع الوصول”. لكن الرسالة الأعمق تكمن في محاولة دفع الإقليم نحو رد فعل يخرجه من موقع التوازن إلى مربع المواجهة.

اللافت أن هذا النوع من التصعيد يأتي في توقيت إقليمي شديد الحساسية، حيث تتشابك خطوط الصراع وتزداد حدة الاستقطابات. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح المناطق المستقرة نسبياً أهدافاً لمحاولات كسر التوازن، لا لأنها طرف في الصراع، بل لأنها لم تنخرط فيه بعد.

غير أن قراءة المشهد لا تكتمل دون التوقف عند طبيعة القرار في الإقليم. فالتجربة السياسية للقيادة الكردية، التي مرت بمحطات معقدة داخلياً وخارجياً، تُظهر ميلاً واضحاً نحو امتصاص الصدمات وتفويت الفرص على من يسعى إلى إشعال المواجهات. هذه المقاربة، وإن بدت هادئة، إلا أنها في جوهرها خيار استراتيجي يحمي الإقليم من الانزلاق إلى صراعات أكبر.

إن استدراج أربيل إلى قلب الصراع الإقليمي لن يخدم إلا الأطراف التي تبحث عن توسيع رقعة النار، وتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الرد العسكري أو التصعيد الإعلامي، بل في الحفاظ على توازن دقيق يمنع انتقال البلاد من حالة التوتر إلى الانفجار.

في المحصلة، وبين الأمس واليوم، تتضح ملامح اختبار جديد يُفرض على إقليم كردستان. لكن المؤكد أن حكمة القيادة الكردية، وخبرتها في إدارة الأزمات، قادرة على تفويت الفرصة على أعداء العراق، ومنع جرّ الإقليم إلى صراع إقليمي لا يخدم استقراره ولا مستقبل البلاد ككل.

التعليقات معطلة.