دعني أسأل

4

سمير عطا الله

مع بداية هذه السلسلة من الحروب والأزمات والنزاعات، كتبت أننا على أبواب صراع طويل يشبه حرب السويس. اعترض على الرأي زملاء محترمون قائلين إن الزمن تغير والقنوات والنفط. شكرتهم على التصحيح والرأي العلمي وأصررت على أن كل خطوة في هذا الصراع نفط وطاقة ومضائق مهما سميت.

وبعد فترة كان اللهيب قد استعر وباب المندب قد اشتعل كتبت شيئاً تحت عنوان «مضائق» لا يحمل أي اكتشاف علمي أو جغرافي أو «جيوسياسي» في لغة خبراء اليوم، ولكن المربع التالي سيكون باب المندب. والسبب أننا بلاد مضائق وقنوات وممرات ومنادب. وبسببها يفتو العالم ويفتني، شاء أم أبى.

وللمرة الأولى في حياتي أبلغ شخصياً بحجم الضرر الذي لحق بي جراء الأزمة، إذ أبلغني مكتب التاكسي الذي أتعامل معه، بكل مودة، أن أسعار الأجرة ستتضاعف، وهو يعتذر عن الإزعاج. وكان ناطور المبنى أكثر إقناعاً في شرح الأزمة، ولذلك استوفى مني الزيادة في السعر عن العامين المقبلين لمجرد راحة الضمير والنوم مرتاح البال. ولست أعرف ناطوراً أو منطوراً مرتاح البال بقدر باله. فهو نائم سلفاً عن نواطير الحي كلهم. وما لنا ولآداب النواطير في هذه الحال من الكمد والخوف والمقارنة مع قناة السويس.

كان أحد الصحافيين الناشئين (وقد ظل طوال عمره ناشئاً) يروي دائماً ماذا قال هو للمصادر وليس ماذا قالوا له. وبعد مسيرة لا نهاية لها في النشوء ترك للزملاء الحقيقيين درساً لا ينسى: تواضعوا فإن الفذلكة لا تدوم.

يتندر الصحافيون أمثالنا بأخبار بعضهم بعضاً. وهي كثيرة. ومنها ما خف ظله وما خف ذكره وثقل غروره. ولي قصة مع أحد هؤلاء. فهو كلما قرع الباب رآني أعمل، فيتنفس الصعداء ويمضي. وأخيراً قررت أن أسأله عن السبب، فقال: ألم يكن من الأفضل الانهماك في العمل مثلك بدل تضييع الوقت؟ قلت له: دعني أسأل.

التعليقات معطلة.