الذكاء الاصطناعي والغرفة الصينية

6

خالد منتصر

هل من الممكن أن يطور الذكاء الاصطناعي نفسه، ويتحرر من سطوتنا، ويستقل عن إرادتنا، ويحلق بعيداً عنا، وينافسنا، ثم يسحقنا بعد ذلك؟! هذه ليست فكرة فيلم سينمائي، لكنه سؤال مؤرق يشغل بال المفكرين والمهتمين بالمستقبل وعلماء الاجتماع، هل الوعي مهم للذكاء الاصطناعي، ذلك الوعي الذي نتفاخر به، والذي بالرغم من وجوده وتفردنا الإنساني بامتلاكه، خربنا العالم ودمرناه بحروبنا وصراعاتنا، وتعاملنا الظالم الفوضوي مع المناخ والثروات على كوكبنا، نحن نتعلل بأن الAI من الممكن أن يحدثنا عن الحب بعمق وبلغة رومانسية وبتحليل مدهش، لكن هل أحس به فعلاً؟ هل شعر بالفقد والفراق؟

على الضفة الأخرى يرد البعض وهم يهزون أكتافهم، وما الفائدة في ذلك؟، المهم إنجازه، لا شعوره، هذا السؤال ليس ابن اليوم، بل هو قديم، في الثمانينات من القرن الماضي، أثير هذا السؤال، وتمت الإجابة من المفكر جون سيرل بتجربة، هي تجربة «الغرفة الصينية»، التي تخيّل فيها إنساناً داخل غرفة مغلقة لا يعرف الصينية، لكنه يمتلك دليلاً ضخماً أو قاموساً يمكّنه من الرد على أي رسالة صينية بشكل صحيح. من الخارج، يبدو وكأنه يفهم اللغة، بينما هو في الحقيقة لا يفهم شيئاً… فقط يطابق رموزاً برموز، وخرج بنتيجة أن الكمبيوتر قد يبدو ذكياً، لكنه لا «يفهم»، بل يعالج رموزاً فقط، لكن هذه الفكرة، رغم قوتها، لم تمر دون مقاومة.

بل أشعلت واحدة من أعنف المعارك الفكرية في الفلسفة الحديثة، ردوا على سيرل قائلين: صحيح أن الشخص داخل الغرفة لا يفهم، لكن النظام ككل (الشخص + القواعد + الدليل) هو الذي يفهم، أو بمعنى آخر، الفهم ليس خاصية جزء واحد، بل خاصية «النظام الكامل»، وأن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في كونه «معزولاً»، ولو أعطيناه حواساً فصار يرى ويسمع، وجسداً يتفاعل مع العالم، فسيصبح لديه معنى حقيقي للكلمات، وأليس دماغ الإنسان نفسه يعالج إشارات كهربائية؟ فما الفرق بينه وبين الكمبيوتر، هذه المناقشة فتحت باباً مرعباً لطرح سؤال ماذا سيحدث إذا طور الAI نفسه بنفسه؟! حتى الآن لم يحدث هذا التطوير الذاتي المستقل الكامل، هو الآن من الممكن أن يحسن نفسه باستمرار، هو ما زال لا يمتلك هدفاً ذاتياً حقيقياً، لا يفهم العالم بمعنى «الوعي»، ويعتمد على البشر في البيانات والتقييم وتحديد الاتجاه، لكن يظل القلق الإنساني موجوداً ومشروعاً.

فنحن الآن في مرحلة ال«AI يساعد في تطوير AI»، وليس ال«AI» يطوّر نفسه بالكامل بشكل مستقل عنا، لكنه وارد جداً في المستقبل القريب، الذكاء الاصطناعي يستطيع كتابة روايات كاملة بعضها مقنع لغوياً وسردياً، ويستطيع تقليد بيتهوفن، لكن هل الرواية بنفس العمق الإنساني والألم والتجربة الوجودية؟ وهل السيمفونية الاصطناعية لها نفس التأثير عليك؟

أنت حين تستمع إلى سيمفونية لبيتهوفن، فأنت لا تسمع مجرد نغمات، بل تستمع وتستمتع بسيرة إنسان قاوم الصمم، وصارع القدر، وحوّل الألم إلى موسيقى، أما حين تستمع إلى مقطوعة من تأليف الذكاء الاصطناعي، فأنت تسمع بناءً صوتياً متقناً، لكنه بلا تجربة عاشها، بيتهوفن يكسر القواعد، يغامر، يخلق توتراً غير متوقع، أحياناً «الخطأ» أو الخروج عن النص عنده هو قمة الإبداع، أما الAI فغرضه التوازن وخلق الجمال المتوقع، ونادراً ما «يخاطر» فعلياً لأنه لا يشعر بالخوف، ولا بالرغبة في التمرد على القواعد، وما زال السؤال مطروحاً؟

التعليقات معطلة.