الهدنة الأمريكية: إعادة تموضع… وليس فرصة للسلام

2

 

في كل مرة تُعلن فيها واشنطن “هدنة”، يسارع البعض إلى قراءتها كنافذة أمل، أو كبداية مسار نحو التهدئة والاستقرار. لكن التجربة، خصوصًا في الشرق الأوسط، تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: الهدنة الأمريكية ليست مشروع سلام، بل أداة إدارة صراع. ليست نهاية أزمة، بل إعادة ترتيب أوراقها.

ما يجري اليوم لا يخرج عن هذا السياق. فالإدارة الأمريكية، حين تخفف من حدة المواجهة أو تدفع نحو تهدئة مؤقتة، لا تفعل ذلك بدافع إنساني أو قناعة حقيقية بضرورة الحلول السياسية، بل بدافع الضرورة الاستراتيجية. إنها لحظة إعادة تموضع، لا لحظة مراجعة.

الولايات المتحدة تدرك أن كلفة الانخراط المباشر في صراع مفتوح باتت أعلى من أي وقت مضى، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو حتى الاقتصادي. لكنها، في الوقت نفسه، لا تملك رفاهية الانسحاب الكامل. وهنا تظهر “الهدنة” كخيار ثالث: لا حرب شاملة… ولا سلام حقيقي.

في هذا الإطار، تتحول الهدنة إلى مساحة زمنية لإعادة توزيع القوة، وامتصاص الضغوط، وإعادة بناء التحالفات. تُهدأ الجبهات ليس لأن أسباب التوتر انتهت، بل لأن الأطراف بحاجة إلى التقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب أولوياتها. وهذا ينطبق على واشنطن كما ينطبق على خصومها.

الأخطر في هذه الهدنات أنها تُسوَّق غالبًا كفرص للسلام، بينما هي في حقيقتها تعمّق منطق الصراع. إذ تُبقي الأسباب الجوهرية دون حل، وتؤجل الانفجار بدل أن تمنعه. بل إن بعض الأطراف تستغلها لتعزيز قدراتها، أو تثبيت مكاسبها على الأرض، استعدادًا لجولة قادمة قد تكون أكثر عنفًا.

في الحالة الإقليمية الراهنة، تبدو الهدنة أقرب إلى “إدارة أزمة متعددة الطبقات” منها إلى مشروع تسوية. فهناك صراع نفوذ، وصراع سرديات، وصراع على شكل النظام الإقليمي القادم. وهذه ملفات لا تُحل بهدنة، بل تحتاج إلى تحولات عميقة في موازين القوى والإرادات السياسية.

كما أن واشنطن، وهي تدير هذه الهدنة، لا تتحرك في فراغ. فهي تحسب حسابات حلفائها، وتراقب خصومها، وتوازن بين ساحات متعددة من أوكرانيا إلى شرق آسيا. لذلك فإن أي تهدئة في الشرق الأوسط لا يمكن فصلها عن الصورة الكبرى، حيث تُستخدم المنطقة أحيانًا كورقة ضمن لعبة دولية أوسع.

من هنا، فإن قراءة الهدنة كـ“فرصة للسلام” تبدو أقرب إلى التبسيط المخل، إن لم تكن نوعًا من الوهم السياسي. السلام يحتاج إلى إرادة حقيقية لتفكيك أسباب الصراع، لا إلى إدارة ذكية لتأجيله. يحتاج إلى قرارات صعبة، لا إلى حلول مؤقتة.

الخلاصة أن ما نشهده اليوم ليس خروجًا من الصراع، بل إعادة تعريف له. الهدنة ليست نقطة نهاية، بل فاصلة في جملة لم تكتمل بعد. ومن يظن أنها بداية السلام، قد يفاجأ بأنها مجرد استراحة قصيرة قبل فصل أكثر تعقيدًا وحدّة.

في الشرق الأوسط، لا تُقاس النوايا بما يُعلن، بل بما يُبنى في الظل. والهدنات، في هذا السياق، ليست إلا لحظات هدوء محسوبة… في حرب لم تنتهِ بعد.

التعليقات معطلة.