«مزاج الملوك» دفع أزمة تشكيل الحكومة إلى الساعات الأخيرة من المهلة الدستورية

3



لقاء حاسم بين السوداني والمالكي بعد «حفلة صراخ»

بغداد / تميم الحسن

قبل ساعات من انتهاء “المهلة الدستورية” لتشكيل الحكومة – أثناء كتابة هذا التقرير – بدا أن زعماء “الإطار التنسيقي” لم يعودوا يسمعون لبعضهم البعض، بعد أن حلّ “الصراخ” محل النقاش، وفق ما تسرب من 6 اجتماعات متتالية في غضون أسبوعين، فشلت جميعها في تسمية رئيس الوزراء الجديد.
وفي هذه اللحظات الحاسمة، لم يعد الخلاف محصوراً بالأسماء المعلنة سابقاً، بل تمدد ليشمل رؤساء حكومات سابقين، ونقاشات متشابكة حول أدوار واشنطن وطهران، وأزمة الفصائل المسلحة، مع عودة مقترحات قديمة إلى الطاولة، بينها خيار إجراء انتخابات مبكرة.
وبعد مرور نحو 170 يوماً على الانتخابات التشريعية الأخيرة، لا يزال التحالف الشيعي عاجزاً عن تمرير مرشحه، رغم التقديرات السابقة التي كانت تتحدث عن “أسرع حكومة بعد 2003”.
سيكولوجيا القيادة: “ملوك بلا تنازل”
يستعد “الإطار التنسيقي” – وفق المعطيات – لعقد اجتماعه السابع، الذي يُعتقد أنه سيكون الحاسم، بعد جلسة مشحونة شهدها منزل همام حمودي، زعيم المجلس الأعلى، يوم الجمعة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن نوري المالكي غادر الاجتماع بعد مشادة حادة مع محمد شياع السوداني، فيما تصاعدت حدة النقاشات إلى مستوى غير مسبوق، شارك فيه محسن المندلاوي وهمام حمودي وآخرون، قبل أن ينتهي اللقاء دون أي حسم.
وبقي أمل أخير في الساعات المتبقية من المهلة، بأن يلتقي محمد شياع السوداني مع نوري المالكي لوضع حدٍّ للأزمة، بحسب مصادر خاصة لـ(المدى).
وتشير المصادر إلى أن ما يجري يتجاوز الخلاف السياسي التقليدي، ليدخل في ما تصفه بـ”سيكولوجية الزعماء”، حيث يتقمص كل طرف دور “الملك الذي لا يُنازع”، وهو ما يفسر استمرار الانسداد لأكثر من خمسة أشهر.
المفارقة أن هؤلاء القادة أنفسهم كانوا قد ظهروا قبل انتخابات 2025 بثقة كبيرة، متحدثين عن حكومة سريعة، مستندين إلى غياب الضغط الشعبي بعد تراجع احتجاجات تشرين، وانسحاب مقتدى الصدر، الذي كان يشكل تهديداً لوحدة هذا المعسكر.
صراع الآليات قبل الأسماء
حتى اللحظات الأخيرة، لا يبدو أن الاتفاق يقترب من حسم اسم رئيس الوزراء، بقدر ما ينحصر الجدل في آلية الاختيار نفسها، التي تحولت إلى ساحة نزاع موازية للأسماء.
تتوزع المقترحات بين خيار حصر التصويت داخل “الإطار التنسيقي”، وهو مسار يميل لصالح نوري المالكي، لكنه يواجه إشكاليات؛ إذ إن بعض زعماء التحالف يمتلكون أكثر من 50 مقعداً، مثل محمد شياع السوداني، في حين لا يملك آخرون، مثل همام حمودي، سوى أربعة مقاعد، ما يطرح تساؤلات حول عدالة التمثيل داخل هذا النموذج.
في المقابل، يبرز مقترح توسيع دائرة التصويت لتشمل “الكتلة الإطارية” التي تضم أكثر من 180 نائباً، وهو طرح يدعمه فريق السوداني، إلى جانب عمار الحكيم وقيس الخزعلي، باعتباره يعكس الوزن النيابي الفعلي لكل طرف داخل البرلمان.
وفي هذا السياق، يشير بهاء الأعرجي إلى انقسام واضح داخل “الإطار”، بين نظام “التواقيع” الذي تتبناه “دولة القانون”، و”التصويت المباشر” الذي تدفع باتجاهه أطراف أخرى، في مؤشر على أن الخلاف لم يعد حول “من يحكم”، بل “كيف يُختار من يحكم”.
المالكي تحت الضغط
وبحسب مصادر سياسية، فإن أربعة من أصل 12 زعيماً داخل الإطار يعترضون بشكل واضح على ترشيح المالكي، وقد قدموا اعتراضاتهم مكتوبة ومفصلة.
أما بقية الأعضاء (الذين يمثلون أغلبية الثلثين)، فإن المالكي – وفق المصادر – لا يثق بضماناتهم، في وقت يطالبونه بالتنحي.
ويشترط المالكي تقديم ضمانات مكتوبة بعدم “الانقلاب” على أي مرشح بديل، مؤكداً أنه، باعتباره المرشح الرسمي، المخول الوحيد بتقديم البديل.
في المقابل، تطالب هذه الأطراف المالكي بإعلان انسحابه عبر تسجيل مصور، بينما يرى هو أن لا ضمانات تمنع تكرار سيناريو الانقلاب عليه.
وتشير تقديرات إلى أن “مجموعة الثمانية” قد تنقلب على أي مرشح بديل، ما قد يؤدي إلى إسقاط جميع الأسماء دفعة واحدة.
من يملك طريق الوصول؟
في لغة الأرقام، حصل المالكي مطلع 2026 – وفق روايات – على تواقيع 10 زعماء، من دون أن ينجح في تمرير ترشيحه، فيما حصل السوداني على 7 تواقيع، ما يجعله بحاجة إلى توقيع واحد فقط.
ويؤكد وليد خالد، القيادي في “ائتلاف الإعمار والتنمية”، لـ(المدى)، أن السوداني هو “المرشح الوحيد”، نافياً أي حديث عن بدائل مثل إحسان العوادي.
لكن خلف هذه الأرقام، تبرز معادلة أعمق: الوصول إلى المنصب يتطلب ما لا يقل عن 35 “نقطة” (مقعداً مؤثراً)، وهو ما يضع المالكي أمام فجوة سياسية رغم تحالفاته.
في المقابل، يبدو السوداني أكثر تقدماً من حيث الكتلة البرلمانية، بعد ارتفاع عدد مقاعده إلى 51، مع استعداد حلفائه لتقديم تنازلات محدودة مقابل حصص وزارية.
مرشحو التسوية.. وعودة الأسماء القديمة
وطُرحت فكرة “مرشح التسوية” كحل للأزمة، لكنها واجهت إشكاليات جوهرية، إذ لا يتبناه أي طرف بشكل واضح، ولا يمتلك قاعدة سياسية تحميه.
وتوصَف هذه الأسماء بأنها “عائمة”، بلا مسؤولية سياسية محددة، ما يجعلها ضعيفة في معادلة التوازنات داخل الإطار.
مع تعقّد المشهد، توسعت قائمة المرشحين لتشمل أسماء مثل حيدر العبادي، مصطفى الكاظمي، محمد الدراجي، وعدنان الزرفي.
ويؤكد حسن فدعم، القيادي في تيار الحكمة، لـ(المدى)، أن “جميع الأسماء مطروحة، ولا يوجد حسم حتى الآن”.
واشنطن تلوّح.. وطهران تتراجع
بالمقابل، لا تغيب الضغوط الخارجية عن المشهد، إذ تتقاطع التحذيرات الأميركية مع رسائل إيرانية توصف أحياناً بـ”التحدي”.
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، يوم الجمعة، عبر برنامج “مكافآت من أجل العدالة”، رصد مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أبو آلاء الولائي، الذي حضر اجتماع الإطار في اليوم ذاته.
في المقابل، ردت “كتائب سيد الشهداء” بأن الولائي “باقٍ في موقعه”، في إشارة إلى رفض الضغوط.
كما تتصاعد مؤشرات العقوبات، بدءاً من تقييد تدفق الدولار، وصولاً إلى احتمال استهداف إقامات شخصيات عراقية في الغرب.
في المقابل، تبدو طهران أقل قدرة على الحسم مقارنة بفترة قاسم سليماني، رغم زيارة إسماعيل قاآني الأخيرة إلى بغداد.
سيناريوهات مفتوحة
مع استمرار الانسداد، يُطرح سيناريو غير مباشر يقضي باستمرار الحكومة الحالية لمدة عام، يعقبه إجراء انتخابات مبكرة.
وقد طُرح هذا الخيار لأول مرة مطلع 2026، بعد اعتراض دونالد ترامب على ترشيح المالكي، مع مقترح توسيع صلاحيات الحكومة الحالية مؤقتاً.
ويخضع حل البرلمان في العراق للمادة 64 من الدستور، التي تنص على إمكان الحل بطلب من رئيس الوزراء وموافقة رئيس البرلمان، أو بطلب من ثلث الأعضاء وتصويت الأغلبية

التعليقات معطلة.