بين المقابر والمعامل

4

خالد منتصر

العلم استطاع إنقاذ الإنسانية من الموت المبكر لكننا ما زلنا نرفضه ونكرهه ونفضل عليه الخرافة والوهم، قبل أقل من مائة عام، كان جرح صغير في الإصبع قادراً على قتلك. قبل قرن واحد فقط، كان طفل يُصاب بالسكري يُحكم عليه بالموت خلال شهور، وكانت ولادة امرأة قد تتحول إلى جنازة. لم يكن الموت حدثاً استثنائياً أو نشازاً، بل كان هو القاعدة، وكانت النجاة هي المعجزة. ثم جاء العلم، لا بوصفة سحرية، بل بعيون تلاحظ، وعقول تشك، وتجارب تفشل ثم تنجح، هذه ليست قصة تطور الطب، بل قصة كيف هزم الإنسان الموت أو استطاع تأجيله سبع مرات على الأقل، ومنح الإنسان نوعية حياة أفضل وأجمل.

* البنسلين: حين أنقذت صدفة العالم.
في عام 1928، ترك ألكسندر فليمنج طبق بكتيريا، ليلاحظ أن فطراً غامضاً قتل المستعمرات حوله. هكذا وُلد البنسلين.
قبل البنسلين: كان الالتهاب الرئوي يقتل نحو 200 شخص لكل 100 ألف سنوياً في أوائل القرن العشرين، بعده انخفض الرقم إلى نحو 20 لكل 100 ألف (انخفاض نحو 90%)، المضادات الحيوية أنقذت أكثر من 200 مليون إنسان.
المصدر: Centers for Disease Control and Prevention

* الإنسولين: إنقاذ المحكوم عليهم بالموت البطيء.
في 1921، نجح فريدريك بانتنج وتشارلز بست في عزل الإنسولين، قبل الإنسولين مرضى السكري من النوع الأول يموتون خلال أشهر (وفيات تقارب 100%).
بعده يعيش المرضى لعقود، ويستمتعون بالحياة ويتزوجون ويمارسون الرياضة وينجحون مهنياً، أكثر من 9 ملايين مريض سكري نوع أول يعيشون اليوم بفضل الإنسولين.
المصدر: American Diabetes Association

* اللقاحات: المعركة التي كسبتها الوقاية المبكرة.
لاحظ إدوارد جينر أن عاملات حلب الأبقار لا يُصبن بالجدري، قبل اللقاحات قتل الجدري 300 – 500 مليون إنسان.
معدل الوفاة من الإصابة 30%. بعدها تم القضاء على المرض (صفر وفيات عالمياً)، اللقاحات تنقذ 4 – 5 ملايين سنوياً.
المصدر: World Health Organization

* التخدير: نهاية الجراحة كطقس تعذيب.
في 1846، قدّم ويليام مورتون عرضاً ناجحاً للتخدير بالإيثر، قبل التخدير، الجراحة هي ألم مميت وصدمة ووفيات مرتفعة جداً. بعده وفيات التخدير هي 1 لكل 100٫000 – 200٫000 عملية فقط.
إجراء مئات الملايين من العمليات سنوياً بكل أمان هي النتيجة.
المصدر: Royal College of Anaesthetists

* جراحات القلب: إعادة تشغيل ماكينة الحياة.
تطورت جراحات القلب لتتعامل مع انسداد الشرايين.
قبلها كان احتشاء القلب يقتل 30 – 40% من المرضى داخل المستشفى. بعدها انخفضت الوفيات إلى أقل من 5 – 10%.
المصدر: American Heart Association

* علاج السرطان: كسر رعب المرض.
ظهر العلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي.
قبل العلاج النجاة من بعض سرطانات الأطفال كانت أقل من 10%، بعده ارتفعت إلى أكثر من 85 – 90%، وتحول السرطان من حكم نهائي إلى مرض يمكن هزيمته أحياناً.
المصدر: National Cancer Institute

* نقل الدم: حين أصبح الدم دواءً.
اكتشف كارل لاندشتاينر فصائل الدم، وكانت ثورة علمية، فقبل الاكتشاف النزيف هو موت شبه مؤكد، بعده تم إنقاذ ملايين سنوياً، وحدث انخفاض وفيات الأمهات عالمياً بنحو 40% منذ 2000.
المصدر: World Health Organization

هذه الأرقام السابقة ليست مجرد إحصائيات، بل شهادات وفاة لم تعد تُكتب، كل رقم هنا هو إنسان كان سيُدفن، ثم عاش، كل اكتشاف هنا هو صفعة في وجه الجهل، ومع ذلك، وبالرغم من كل الأيادي البيضاء للطب الحديث، هناك في مصر اليوم، لا يزال هناك من يجرّ الناس إلى الخلف، هناك من يطالب مريض السرطان بترك العلاج، ومن يبيع الوهم في زجاجة، ومن يختصر العلم في «وصفة جدتي»، هؤلاء لا يختلفون كثيراً عن الجراثيم التي قتلها البنسلين، لكن الفارق أن الجراثيم لا تدّعي الحكمة، وأن بكتيريا الخرافة هنا ما زالت تلتهم البنسلين!! العلم أنقذنا من الموت، لكن الوهم قادر أن يعيدنا إليه.
الاختيار الآن بين تشييد المقابر أو بناء المعامل.

التعليقات معطلة.