حين تتحول أحزاب السلطة إلى شركات… ويُختطف الوطن

5

 

 

لم تعد الأزمة في العراق أزمة حكومات تتعثر أو برامج إصلاح تُؤجّل، بل تحولت إلى أزمة منظومة كاملة فقدت معناها الأصلي ووظيفتها الأساسية. ما كان يُفترض أن يكون عملاً سياسياً قائماً على تمثيل الناس وصياغة السياسات العامة، انقلب تدريجياً إلى نشاط تجاري متكامل، تُدار فيه الدولة بعقلية السوق، وتُقاس القرارات بميزان الربح والخسارة، لا بميزان المصلحة الوطنية.

على مدى أكثر من عقدين، لم تفشل القوى الحاكمة في بناء دولة فحسب، بل نجحت ، وبكفاءة لافتة في بناء شبكات مالية معقدة، تتغذى على موارد الدولة وتعيد توزيعها ضمن دوائر مغلقة . الوزارات لم تعد مؤسسات عامة تخدم المواطن، بل تحولت إلى ما يشبه “محافظ استثمارية”، تُدار بمنطق العائد السريع، وتُوزّع كحصص ضمن اتفاقات سياسية تشبه إلى حد بعيد صفقات الشركات. لم يعد المنصب مسؤولية، بل أصلٌ قابل للتسعير والبيع ، ولم تعد الوظيفة العامة خدمة، بل فرصة لتحقيق الربح.

في هذا السياق، تصبح العقود مشاريع تقاسم، والموازنات ساحات إعادة توزيع، وتتحول الدولة نفسها إلى كيان وسيط بين الموارد ومنظومات النفوذ. الأخطر من ذلك ليس الفساد بحد ذاته ، فهو موجود في تجارب كثيرة، بل في تحوله إلى حالة طبيعية، بل إلى “قاعدة عمل” غير مكتوبة. حين يُعاد تعريف الفساد بوصفه مهارة، والسمسرة بوصفها خبرة، والمحاصصة بوصفها استحقاقاً، فإننا لا نكون أمام خلل إداري، بل أمام انقلاب قيمي عميق يطال بنية المجتمع نفسه.

هذا التحول لم يمر دون أثر اجتماعي. جيل كامل ينشأ اليوم وهو يرى أن الطريق إلى التقدم لا يمر عبر التعليم أو الكفاءة أو العمل، بل عبر القرب من مراكز النفوذ ومفاتيح التوزيع. تُختزل فكرة النجاح في القدرة على الوصول إلى “مصدر الإيراد”، لا في بناء قيمة حقيقية. وهنا تتحول الأزمة من سياسية إلى أخلاقية، حيث يُعاد تشكيل الوعي العام بما يتناسب مع منطق السلطة.

في المقابل، يُقدَّم التضخم الهائل في عدد الأحزاب على أنه دليل على التعددية والديمقراطية، بينما الواقع يشير إلى العكس تماماً. هذا التعدد ليس تعبيراً عن تنوع سياسي، بل عن تفتيت مقصود للسوق السياسي. كلما زاد عدد الكيانات، زادت القنوات التي يمكن من خلالها تمرير المصالح وتوزيع الغنائم. اختلاف الأسماء والشعارات يخفي وحدة المنهج: تعظيم الإيراد الحزبي، حتى لو كان ذلك على حساب الدولة نفسها.

ومع انسداد الأفق وفقدان الثقة، يبدأ البحث عن “منقذ” خارج الإطار التقليدي للسياسة. تُسوَّق شخصيات جديدة بوصفها مستقلة أو تكنوقراطية أو حيادية، لكن جوهر المشكلة يبقى قائماً. فهذه الأسماء، مهما بدت مختلفة، تُقاس في النهاية بقدرتها على التكيف مع نفس القواعد، لا بتغييرها. الأزمة ليست أزمة وجوه، بل أزمة قواعد صُممت أصلاً لتكافئ من يجيد إدارة منظومة الجباية، وتُقصي من يحاول كسرها.

النتيجة النهائية لهذا المسار واضحة: دولة تُدار كشركة، ومواطن يُعامل كزبون، وسيادة تتحول إلى ورقة تفاوض ضمن عقود قابلة للتعديل. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن “مرحلة انتقالية” أو “أخطاء قابلة للتصحيح” نوعاً من التخفيف غير الواقعي. ما نشهده ليس خللاً عابراً، بل نموذج حكم ترسخ مع الوقت، وكل يوم يمر دون مواجهته يعمّق جذوره ويمنحه شرعية ضمنية.

العراق اليوم لا يواجه أزمة إدارة فقط، بل أزمة تعريف: ما هي الدولة؟ وما هو دور السياسة؟ وهل ما زالت السلطة وسيلة لخدمة المجتمع، أم تحولت إلى غاية بحد ذاتها؟

الإجابة على هذه الأسئلة لا يمكن أن تأتي من داخل نفس المنظومة التي أنتجت الأزمة. فإعادة إنتاج الوجوه، أو تدوير المواقع، لن يغيّر من النتيجة شيئاً. المطلوب ليس تغيير اللاعبين، بل تغيير قواعد اللعبة نفسها. قواعد تُعيد تعريف السياسة كمسؤولية، لا كصفقة، وتُعيد الدولة إلى موقعها الطبيعي ككيان جامع، لا كغنيمة.

حين تُستعاد الدولة من يد “الشركات السياسية”، فقط عندها يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي. أما دون ذلك، فستبقى الحلقة مغلقة: أسماء تتبدل، وخطابات تتغير، لكن النهج نفسه يزداد رسوخاً وشراسة.

وفي هذا المسار، لا يكون السؤال: من سيحكم؟

بل: كيف يُحكم….. ولصالح من؟

التعليقات معطلة.