في السياسة الدولية هناك لحظات تتحول فيها المنافسة إلى خوف، والخوف إلى سباق، والسباق إلى مواجهة مفتوحة لا يريدها أحد… لكنها تقع رغمًا عن الجميع.
هذا بالضبط ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية “
بفخ ثوسيديديس” ؛ النظرية التي تقول إن صعود قوة جديدة يزرع الرعب داخل القوة المهيمنة، فيصبح الصدام بينهما أقرب إلى الحتمية التاريخية.
المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس ، وصف هذه القاعدة عندما كتب عن الحرب بين إسبرطة وأثينا قبل أكثر من ألفي عام قائلاً إن “صعود أثينا والخوف الذي زرعه هذا الصعود في إسبرطة جعل الحرب حتمية” .
واليوم، يعود العالم لقراءة الجملة نفسها… لكن بأسماء مختلفة:
أميركا بدل إسبرطة، والصين بدل أثينا.
الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الصين كمجرد منافس اقتصادي، بل كمشروع متكامل لإعادة تشكيل النظام العالمي.
بكين لم تعد مصنع العالم فقط، بل أصبحت قوة تكنولوجية وعسكرية ومالية تتوسع بسرعة هائلة، من بحر الصين الجنوبي إلى إفريقيا، ومن الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء والطاقة وسلاسل التوريد العالمية.
المشكلة أن القوى العظمى لا تخاف من ضعف خصومها… بل من صعودهم.
واشنطن تدرك أن الصين لا تريد مجرد تحسين موقعها داخل النظام الدولي، بل تريد تعديل قواعد اللعبة نفسها.
ولهذا بدأت أميركا تتحرك بعقلية الاحتواء:
عقوبات تكنولوجية، حصار للرقائق الإلكترونية، تحالفات عسكرية في آسيا، تعزيز الوجود حول تايوان، وإعادة بناء الاصطفافات الدولية على أساس مواجهة النفوذ الصيني.
أما بكين، فترى أن الولايات المتحدة تحاول خنقها قبل أن تصل إلى لحظة التكافؤ الاستراتيجي.
ومن هنا بدأت الصين ببناء قوتها العسكرية بوتيرة غير مسبوقة، وتوسيع نفوذها الاقتصادي عبر مشروع “الحزام والطريق”، والاستعداد لمرحلة قد تصبح فيها المواجهة مع واشنطن أمرًا لا مفر منه.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نوايا الطرفين، بل في البيئة الدولية المحيطة بهما.
العالم اليوم يعيش حالة توتر اقتصادي، وحروب طاقة، وسباق تكنولوجي، واستقطاب سياسي حاد.
وفي مثل هذه البيئات، قد تشعل حادثة صغيرة أزمة كبرى:
طائرة فوق تايوان، سفينة في بحر الصين، عقوبات جديدة، أو حتى أزمة إلكترونية تضرب البنية التحتية لأحد الطرفين.
التاريخ مليء بالحروب التي لم يكن أحد يريدها… لكن الجميع ساهموا في دفعها.
المفارقة أن أميركا والصين مرتبطتان اقتصاديًا بشكل عميق يجعل الحرب كارثة عالمية شاملة.
الاقتصاد العالمي اليوم لا يحتمل انفصالًا كاملًا بين العملاقين، لأن المصانع والأسواق والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد أصبحت متشابكة بصورة غير مسبوقة.
لكن هذا التشابك نفسه قد يتحول إلى سلاح ضغط متبادل، حيث يستخدم كل طرف الاقتصاد كساحة حرب باردة جديدة.
العالم العربي، كعادته، يقف في المنتصف مرتبكًا.
فمعظم الدول العربية تعتمد أمنيًا على واشنطن، لكنها اقتصاديًا تنفتح أكثر فأكثر على الصين.
ولهذا قد تجد نفسها مستقبلًا أمام معادلة قاسية:
إما الاصطفاف… أو دفع ثمن الحياد.
السؤال الأهم ليس: هل ستقع الحرب؟
بل: هل يستطيع الطرفان الهروب من الفخ قبل أن يغلق بالكامل؟
حتى الآن، يبدو أن الطرفين يحاولان إدارة الصراع لا تفجيره.
لكن التاريخ يقول إن المشكلة الكبرى تبدأ عندما يقتنع كل طرف أن الوقت لم يعد يعمل لصالحه.
حينها تتحول الحسابات الباردة إلى قرارات متهورة، ويتحول الردع إلى اشتباك، وتصبح شرارة صغيرة كافية لإشعال العالم.
فخ ثوسيديديس ليس نبوءة حتمية… لكنه تحذير مرعب.
والعالم اليوم يسير فوق حقل ألغام دولي، حيث يكفي خطأ واحد بين واشنطن وبكين كي يدخل القرن الحادي والعشرون أخطر مواجهة عرفها منذ الحرب العالمية الثانية.

