في ذكرى النكبة: على بريطانيا تحمل مسؤولية إرثها الاستعماري في فلسطين

3

كان تقاعس الحكومات المتعاقبة عن مواجهة إرث ثلاثة عقود من الحكم البريطاني في فلسطين عاراً علينا جميعاً
ديل فينس
تشير “النكبة” إلى تهجير أكثر من 700 ألف فلسطيني عام 1948 أثناء قيام دولة إسرائيل (أ ب)
ملخص
حمّلت بريطانيا، عبر قوانين الانتداب وصلاحيات الطوارئ والمحاكم العسكرية والعقاب الجماعي، الفلسطينيين إرثاً قانونياً قاسياً ما زالت آثاره حاضرة في الضفة الغربية حتى اليوم. المساءلة البريطانية لم تعد مسألة تاريخية فحسب، بل شرط أخلاقي وسياسي للاعتراف بحجم الضرر والمساهمة بصدقية أكبر في أي مسار نحو سلام عادل.
يخضع الفلسطينيون في الضفة الغربية اليوم للقانون العسكري الإسرائيلي. ويمكن اعتقالهم من دون توجيه أي تهمة إليهم، ومحاكمتهم أمام محاكم عسكرية تتجاوز فيها نسب الإدانة 96 في المئة، ويمكن إخضاعهم لأنظمة طوارئ تجعل سلطة الاحتلال فوق أي مساءلة قانونية فعلية.
أما جيرانهم الإسرائيليون فيعيشون في ظل القانون المدني. مجموعتان سكانيتان، نظامان قانونيان، وأرض واحدة. وهذا وضع يصفه معظم الناس بأنه مجحف. لكن ما لا يعرفه معظم الناس هو أن بريطانيا هي التي وضعت أسسه.
خلال 30 عاماً من الحكم البريطاني في فلسطين، أنشأنا الإطار القانوني الذي لا يزال قائماً حتى اليوم: صلاحيات الطوارئ، والمحاكم العسكرية، والعقاب الجماعي، والنظام القانوني المزدوج. نحن من بنيناه. وعندما غادرنا عام 1948، لم نفككه، بل التقطه آخرون ومضوا في تطبيقه.
كل هذه التفاصيل موضحة، بدقة بالغة، في عريضة قانونية من 400 صفحة أعدها كبار المحامين من حملة لقب “مستشار الملك” ومؤرخون. والأدلة مستمدة في معظمها من أرشيف بريطانيا نفسها. إن سجلاتنا هي التي تروي القصة، وهي تحمل إدانة قاسية.
قدمت حملة “بريطانيا مدينة لفلسطين” هذه العريضة إلى الحكومة قبل أكثر من ستة أشهر، ولم يصدر عن الحكومة أي رد حتى الآن.
وتحدد العريضة سبعة أفعال غير مشروعة دولياً ارتكبتها بريطانيا على مدى ثلاثة عقود. وتبدأ بإعلان بلفور، الوعد الصادر عام 1917 بدعم إنشاء وطن قومي يهودي على أرض كان يسكنها آنذاك نحو 90 في المئة من العرب المسلمين والمسيحيين، ومن دون موافقة السكان الذين كانوا يعيشون فيها. وقد خرق ذلك الوعد مباشرة اتفاقاً كانت بريطانيا قد أبرمته بالفعل مع القادة العرب لدعم استقلالهم. لقد أعطينا كلمتنا، ثم نكثنا بها.
وما تلا ذلك لم يكن مجرد سوء إدارة. كان من المفترض أن تحافظ بريطانيا على النظام القائم في فلسطين. لكنها، بدلاً من ذلك، غيّرت المكان جذرياً: قوانينه، وتركيبته السكانية، وملكية أراضيه، من دون أن يكون للسكان المحليين أي رأي ديمقراطي في ذلك كله. فقد حكم المندوب السامي بالمراسيم. وعندما طُرح اقتراح بتشكيل مجلس تشريعي ذي أغلبية عربية، أسقطه مجلس العموم.
وبعدما أُغلقت كل سبل الاحتجاج السلمي، اندلعت الثورة العربية عام 1936.
وكان الرد البريطاني وحشياً: غرامات جماعية على قرى بأكملها، وأنظمة طوارئ جردت الناس من حق الاستئناف، وإقالة كبير القضاة بسبب انتقاده استخدام الحكومة صلاحيات الطوارئ، وإلغاء تام للتحقيقات في عمليات القتل التي ارتكبها الجيش. وأُرسل الجنود في ما سُمي رسمياً مداهمات “عقابية”. وكان ذلك يعني عملياً تحطيم الأثاث، وتدمير مخازن الحبوب، واقتحام المنازل والعبث بمحتوياتها. وعندما وصلت تقارير عن هذه الانتهاكات إلى لندن، اعترف وزير المستعمرات أمام مجلس الوزراء بأنه تعمّد حذف أي إشارة إلى “الفظائع” التي ارتكبتها الشرطة من بياناته إلى البرلمان.
وفي غضون ثلاثة أعوام، قُتل ما لا يقل عن 5 آلاف فلسطيني وأصيب 15 ألفاً آخرون. واستُخدمت صلاحيات الطوارئ والعقاب الجماعي بصورة شبه حصرية ضد العرب الفلسطينيين. ولم يكن لدى المحاكم العسكرية أي نظام للاستئناف ولا أي رقابة خارجية. والأدهى من ذلك أنه عندما غادرت بريطانيا أخيراً عام 1948، أقر البرلمان قانوناً يمنح كل مسؤول بريطاني حصانة بأثر رجعي من الملاحقة القضائية عن أي فعل ارتكبه خلال فترة الانتداب. وقبل مغادرتهم، حرصوا على طمس آثار ما فعلوه.
اقرأ المزيد
إضراب في الضفة احتجاجا على القانون الإسرائيلي الجديد للإعدام
عودة الحروب الأيديولوجية: ماذا بعد “النكبة والنكسة”؟
شبح الإعدام يقترب من رؤوس الفلسطينيين بالقانون
“الامتنان لإرث الإمبراطورية” البريطانية صنو القبول بالدونية
وتكتسب هذه الصلة أهميتها لأنها لا تخص الماضي وحده. ففي هذا العام، أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يجعل عقوبة الإعدام إلزامية بحق الفلسطينيين الذين يُحاكمون أمام تلك المحاكم العسكرية نفسها، وهو قانون وصفه المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأنه جريمة حرب. وتبيّن العريضة أنه خلال فترة الانتداب، كان بوسع المحاكم العسكرية البريطانية أن تفرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين من دون حق في الاستئناف، بموجب لوائح كانت تتجاوز القضاة المدنيين بالكامل. لقد تغيّر النظام بمرور الزمن، لكن أساسه بقي بريطانياً.
كير ستارمر محامٍ سابق في مجال حقوق الإنسان، وشغل منصب مدير النيابة العامة. وقد بنى مسيرته القانونية على فكرة أن المساءلة مهمة. كان الاعتراف بدولة فلسطين خطوة صائبة. لكن الاعتراف بحقوق شعب، مع رفض النظر في دورك أنت في سلبه تلك الحقوق، أمر خاطئ.
في الـ15 من مايو (أيار) من كل عام، يحيي الفلسطينيون ذكرى بداية تهجير 750 ألف شخص من أكثر من 400 قرية من أجل إقامة دولة إسرائيل، وهو الحدث المعروف باسم “النكبة” باللغة العربية.
ما فعلته بريطانيا في الماضي يتردد صداه في الحاضر، وما نفعله اليوم قد تكون له عواقب هائلة على المستقبل. ولهذا السبب تكتسب الاعتذارات أهميتها.
لقد حان الوقت لكي تعترف بريطانيا بأفعالها، في الماضي والحاضر. وقد يساعد ذلك أيضاً في تحسين موقع بلدنا في المهمة الهائلة المتمثلة في المساعدة على إيجاد سلام في الشرق الأوسط.
ديل فينس، مؤسس شركة إيكوتريسيتي والحائز وسام الإمبراطورية البريطانية.

التعليقات معطلة.